الراغب الأصفهاني

347

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الغيرة والجوار الغيرة ثوران الغضب حماية على أكرم الحرم وأكثر ما تراعى في النساء ، وجعل اللّه سبحانه هذه القوة في الإنسان سببا لصيانة الماء وحفظا للإنسان ولذلك قيل كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت العفة في نسائها ، وقد يستعمل ذلك في صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته في السياسات الثلاث التي هي سياسة الرجل نفسه ، وسياسة منزله وأهله ، وسياسة مدينته وضيعته ، ولذلك قيل ليست الغيرة ذب الرجل عن امرأته ولكن ذبه عن كل مختص به ، وقد قيل الغيرة الذب عن كل ضعيف ، وتسمى كراهية النعمة عند من لا يستحقها غيره ، والغيرة وإن كانت من قوة الإنسانية وواجب كونها في كل جيل فقد كثرت في العرب خاصة كثرة متناهية « 1 » حتى إن من دخل دار أحدهم والتجأ إلى فنائه عدّوا فعله حرمة وجوارا وذمارا ، بل قالوا : تعلق الدلو بالدلو القريبة أو تلامس الطنب بالطنب يوجب حرمة وجوارا ، بل كانوا يراعون ذلك « 2 » في الوحشيات والهوام حتى سمي بعضهم مجير الجراد ، ومجير الغزال ، ومجير الذئب ، وسمي الغضب المقتضي للغيرة الحفيظة فيقال أحفظني فلان أي أغضبني الغضب الذي أثار مني قوة الحفظ .

--> ( 1 ) « خاصة كثرة متناهية » ليست في ط . ( 2 ) من « بل قالوا تعلق . . . إلى يراعون ذلك » . سقطت من ط وحدها .