الراغب الأصفهاني
340
الذريعة إلى مكارم الشريعة
العذر والتوبة المذنب إذا عوتب أو خاف العتب لا ينفك عن أحد وجهين : إما أن يكون مصرا أو معتذرا ، فأما المصر : فقد يستحسن في بعض الأحوال التجافي عنه ، وقد سمع رجل حكيما وهو يقول : ذنب الإصرار أولى بالاغتفار فقال صدق ليس فضل من عفا عن السهو القليل كفضل من عفا عن العمد الجليل ، وأما المعتذر فهو المظهر لما يمحو به الذنب . وجميع المعاذير لا تنفك عن ثلاثة أوجه : إما أن يقول لم أفعل ، أو يقول فعلت لأجل كذا فيبين ما يخرجه عن كونه ذنبا أو يقول فعلت ولا أعود ، فمن أنكر وأنبأ عن كذب ما نسب إليه فقد برئت ساحته وإن فعل وجحد فقد يعد التغابي عنه كرما وإياه قصد الشاعر بقوله : تغابي وما بك من غفلة * لفرط الحياء وفضل الكرم ومن أقر فقد استوجب العفو لحسن ظنه بك ، قال بعض الحكماء : تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار طريقا حتى أخذ من رجائك رفيقا ، وإن قال فعلت ولا أعود فهذا هو التوبة وحق الإنسان أن يقتدي باللّه تعالى في قبولها ، وللتوبة شرائط فرضا ونفلا ، ففرضها ترك الذنب مع ترك العود إليه ، ونفلها التأسف لما سلف من الذنب والاستغفار له وترك بعض المباحات مقابلة لما كان من العصيان . واعلم أن للمذنب التائب إذا تاب توبة نصوحا فضيلة على من لم يذنب من ثلاثة أوجه : الأول : أنه قد جرب العيوب وعرف مداخل الشيطان على الإنسان فيكون أهدى إلى الاحتراز من الشر ، وقد قيل لحكيم فلان لا يعرف الشر فقال ذاك أجدر أن يقع فيه . والثاني : أن المذنب التائب محتشم قد غلب الخوف على قلبه فيأتي باب مولاه وهو خزيان منكسر ، ومن لم يذنب