الراغب الأصفهاني

322

الذريعة إلى مكارم الشريعة

خراب الدنيا . وهلاك العالم . ، ومضادة اللّه سبحانه وتعالى فيما قدر ودبر ، وقد تقدم ذلك . والزهد من وجه صبر ، ومن وجه جود ، فالجود ضربان : جود بما في يدك متبرعا ، وجود عما في يد غيرك متورعا ، وذلك أشرفهما ، ولا يحصل الزهد في الحقيقة إلا لمن يعرف الدنيا ما هي ، ويعرف عيوبها ، وآفاتها ، ويتحقق ما يستغنى عنه منها ، ويعرف الآخرة وافتقاره إليها ، ولأجل أنه لا بد في ذلك من العلم قال تعالى : قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ « 1 » . ولأن الزهد في الدنيا راغب في الآخرة ، وهو يبيعها بها كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ « 2 » ، ومحال أن يبيع كيس عينا بأثر إلا إذا عرفها وعرف فضل المبتاع على المبيع ، وقد قيل لبعض الزهاد : ما أزهدك وأصبرك فقال : أما زهدي فرغبة فيما عند اللّه « 3 » ، وهو أعظم مما أنت فيه ، وأما صبري فلجزعي من النار .

--> ( 1 ) القصص / 79 ، 80 . ( 2 ) التوبة / 111 . ( 3 ) « فيما عند اللّه » سقطت من ط ، د .