الراغب الأصفهاني

320

الذريعة إلى مكارم الشريعة

القناعة والزهد القناعة الرضا بما دون الكفاية ، والزهد الاقتصار على الزهيد أي القليل وهما يتقاربان ، لكن القناعة تقال اعتبارا برضى النفس والزهد يقال اعتبارا بالمتناول لحظ النفس وكل زهد حصل لا عن قناعة فهو تزهد لا زهد ، لذلك قال بعض المتصوفة القناعة أول الزهد تنبيها على أن الإنسان أولا يحتاج إلى قنع نفسه والتخصص بالقناعة ليسهل تعاطي الزهد ، فالقناعة هي الغنى في الحقيقة ، والناس كلهم فقراء من وجهين أحدهما لافتقارهم إلى اللّه تعالى كما قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 1 » والثاني لكثرة حاجاتهم فأغناهم أقلهم حاجة ، ومن سد مفاقره بالمقتنيات فما في انسدادها طمع فإنه كمن يرقع الخرق بالخرق ويسد الفقر بالفقر ، ومن سدها بالاستغناء عنها بمقدار وسعه والاقتصار على تناول مقدار ضرورياته فهو الغني والمقرب من اللّه ، كما أشار إليه فيما حكي عن طالوت إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ « 2 » ولأن الغنى هو عدم الحاجة فأغناهم أقلهم حاجة ولذلك كان اللّه تعالى أغنى الأغنياء لأنه لا حاجة به إلى شيء ، وعلى ذلك دل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « ليس الغنى بكثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس » « 3 » ومن أبيات الحكمة : غنى النفس ما يكفيك من سد خلة * فإن زاد شيا عاد ذاك الغنى فقرا

--> ( 1 ) فاطر / 15 . ( 2 ) البقرة / 249 . ( 3 ) « ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس » . هكذا في البخاري عن أبي هريرة / البخاري / كتاب الرفاق / 15 حديث 1446 .