الراغب الأصفهاني
304
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الفخر الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان ، وذلك نهاية الحمق فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع ، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه ومتبجح بما في يد سواه كالفاخرة بجدح « 1 » ربّتها بل هو أدون من ذلك ، فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك ، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك « 2 » وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك ، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت هذه محاسننا فما لك من الحسن ، وأيضا فالأعراض الدنيوية سحابة صيف عن قليل تقشع وظل زائل عن قليل يضمحل ويزول كما قيل : إنما الدنيا كرؤيا فرحت * من رآها ساعة ثم انقضت بل كما قال اللّه عز وجل : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ « 3 » الآية . فإن افتخرت فافتخر بمعنى فيك غير خارج عنك وإذا أعجبك من الدنيا شيء فاذكر فناءك وبقاءه أو بقاءك وذواله أو فناءكما جميعا ، فإذا راقك ما هو لك فانظر إلى قرب خروجه من يدك وتعذر رجوعه إليك وطول حسابك عليه إن كنت
--> ( 1 ) جدح السويق وغيره في الماء جدحا : خلطه وحركه وخوض فيه بالمجدح ، وفي المثل « جدح جوين من سويق غيره » يضرب لمن يتوسع في مال غيره ويجود به . المعجم الوسيط / 1 / 109 . ( 2 ) « وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك » سقطت من ط وحدها . ( 3 ) الكهف / 45 .