الراغب الأصفهاني
285
الذريعة إلى مكارم الشريعة
المزاح والضحك المزاح إذا كان على الاقتصاد محمود ، فقد روي عنه عليه السّلام أنه قال : « إني لأمزح ولا أقول إلا حقا » « 1 » وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمات مازح بهن ، وقال سعيد بن العاص لابنه اقتصد في مزاحك فالإفراط فيه يذهب بالبهاء ويجريء عليك السفهاء « 2 » وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين . ولكن الاقتصاد فيه صعب جدا لا يكاد يوقف عليه ، ولذلك تحرج عنه أكثر الحكماء حتى قيل المزاح مسلبة للبهاء ومقطعة للإخاء وفحل لا ينتج إلا الشر . وأما الضحك فمن خصائص الإنسان وذلك أنه يكون من التعجب والتعجب لا يكون إلا عن فكرة وبالفكرة يميز الإنسان عن البهائم والاقتصاد فيه ومعرفة ما يحسن منه عسير كما هو في المزاح . وقيل إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وتورث النسيان ، وقيل كثرة الضحك من الرعونة ، وحكى عن عيسى عليه السّلام أنه قال « إن اللّه تعالى يبغض المضحاك من غير عجب والمشاء إلى غير أرب ؛ وأما إيراد المضحكات على سبيل السخف فنهاية القباحة وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له » « 3 » .
--> ( 1 ) رواه الطبراني عن ابن عمر ، والخطيب عن أنس رضي اللّه عنه . كشف الخفاء / 1 / 234 . حديث / 715 . ( 2 ) « ويجرىء عليك السفهاء » سقطت من ط وحدها . ( 3 ) روى الترمذي « ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له » وقال وفي الباب عن أبي هريرة ، وهذا حديث حسن . الترمذي / الزهد / 10 / حديث / 2315 . وقد رواه أبو داود ، والنسائي من نفس الطريق .