الراغب الأصفهاني
281
الذريعة إلى مكارم الشريعة
العدد وقال في نوح : إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً « 1 » . واعلم أن الشكر والصبر جماع الإيمان كما روي في الخبر : وقد روي : « الصبر نصف الإيمان » : « 2 » لكن قد قال بعض المتصوفة الشكر أفضل من الصبر فإن الصبر حبس النفس على مسالمة البلاء والشكر أن لا تلتفت إلى البلاء بل يراه من النعماء ، فمن صبر فقد ترك إظهار الجزع ومن شكر فقد تجاوز إلى إظهار السرور بما جزع له الصابر وأيضا فالصبر هو ترك للعمل السئ والشكر إظهار الفعل الحسن وليس من ترك قبيحا كمن فعل حسنا وجميلا ، وقابل تعالى الشكر بالمجازاة فعل الحبيب بحبيبه فقال تعالى : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ « 3 » وقابل الصبر بالأجر فعل المستأجر بأجيره فقال تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 4 » وأين الأجر وإن كثر حتى صار بغير حساب من الجزاء ، ثم قال في الصبر يوفّى فلم يسّم فاعله وقال في الشكر وسنجزي الشاكرين وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ « 5 » فانظر إلى هذا اللطف في المقال قبل الانتهاء إلى الفعال ولم يذكر من أنبيائه بالشكر إلا اثنين كما تقدم ووصف جماعتهم بالصبر فقال : كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ « 6 » وقال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * « 7 » فجعل الصبر مبدأ والشكر منتهى ولأن الصبر محمول عليه قهرا والشكر مؤدى تطوعا .
--> ( 1 ) الإسراء / 3 . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم والخطيب من حديث ابن مسعود بسند حسن . الإحياء / باب الصبر . ( 3 ) آل عمران / 145 . وهذه الآية وما قبلها من « وقابل » سقطت من أ . ( 4 ) الزمر / 10 . ( 5 ) آل عمران / 144 . ( 6 ) الأنبياء / 85 . ( 7 ) إبراهيم / 5 ، لقمان / 31 ، سبأ / 19 ، الشورى / 33 .