الراغب الأصفهاني

277

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الذكر الحسن من المدح والثناء محبة الذكر الحسن أشرف مقاصد أبناء الدنيا وهي في جبلة الناس من خصائصهم ولا توجد في غيره من الحيوان كما قال الشاعر : حب الثناء طبيعة الإنسان . ولولا الكلف به لما ظهرت العدالة من أكثر الناس ومن لا يخوفه الهجاء ولا يسره الثناء فلا يردعه عن سوء الأفعال إلا نار أو سيف وقد قيل الذي ينفر عن القبيح ويحث على الجميل أربعة أشياء العقل ثم الحياء ثم المدح والهجاء ثم الترغيب والترهيب . وقد قيل من لم يردعه الذم عن سيئة ولم يستدعه المدح إلى حسنة فهو جماد أو بهيمة ، ولأجله تنازع الناس الرياسة والمنازل الرفيعة ، وليس الثناء في نفسه بمحمود ولا مذموم وإنما يحمد ويذم بحسب المقاصد ، فمن قصده طلب ما يستحق به الثناء على الوجه الذي يستحب فذلك محمود وهو طريقة إبراهيم الخليل عليه السّلام حيث قال وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ « 1 » أي اجعلني بحيث أفعل ما إذا مدحت به يكون مادحي صادقا ، ومن هذا الوجه ندب الإنسان إذا مدح أن يقول اللهم اجعلني خيرا مما يظنون ، والمذموم منه أنه يميل إليه من غير تجربه لفعل ما يقتضيه وذلك من أعظم الآفات لمن تحراه ، فإنه يفتح باب الحسد والحسد يفتح باب الكذب والكذب رأس كل مذموم ، وقد توعد اللّه تعالى من طلب المحمده من غير فعل حسنة تقتضيها فقال تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ « 2 » . وبالنظر إلى ما تقدم قال عليه السّلام : « من سرته

--> ( 1 ) الشعراء / 84 . ( 2 ) آل عمران / 188 .