الراغب الأصفهاني
275
الذريعة إلى مكارم الشريعة
أنواع الكذب والسبب الداعي إليه الكذب إما أن يكون اختراعا لقصة لا أصل لها ، أو زيادة في القصة أو نقصانا يغيران المعنى ، أو تحريفا بتغيير عبارة . فما كان اختراعا يقال له الافتراء والاختلاق ، وما كان من زيادة أو نقصان فمين وكل من أورد كذبا في غيره فإما أن يقوله بحضرة المقول فيه أو بغير حضرته ، وأعظم الكذب ما كان اختراعا بحضرة المقول فيه « 1 » وهو المعبر عنه بالبهتان ، وكل من أورد حديثا فإما أن يخبر به عن علم أو عن غلبة ظن أو عن ظن وتخمين واه فما يقال عن علم فمحمود بلا شك وما كان عن غلبة ظن فقد يحسن وقد يقبح وما كان عن ظن واه « 2 » فمذموم ولذلك قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ « 3 » . واعلم أن الداعي إلى الكذب محبة النفع الدنيوي وحب الترأس وذلك أن المخبر يرى أن له فضلا على المخبر بما علمه فهو يتشبّه بالعالم الفاضل في ذلك فيظن أنه يجلب بما يقوله فضيلة ومسرة وهو يجلب به نقيصة وفضيحة ، ففضيحة كذبة واحدة لا توازي مسرات دهره ، فالكذب عار دائم وذل دائم ، وحق الإنسان أن يتحرى الصدق ويتعوده ولا يترخص في أدنى كذب فمن استحلاه عسر عليه فطامه ، وقد قال بعض الحكماء كل ذنب يرجى تركه
--> ( 1 ) « أو بغير حضرته ، وأعظم الكذب ما كان اختراعا بحضرة المقول فيه » سقطت من ط وهي جزء من التقسيم إما كذا وإما كذا . ( 2 ) قوله « أو عن ظن وتخمين واه ، فما يقال عن علم فمحمود بلا شك ، وما كان عن غلبة ظن فقد يحسن وقد يقبح ، وما كان عن ظن واه فمذموم » كل هذا سقط من ط وسياق التفصيل يقتضيه ، لذا المعنى مضطرب لمن يتأمله ، وبخاصة في ضوء هذه الزيادة . ( 3 ) الحجرات / 12 .