الراغب الأصفهاني

257

الذريعة إلى مكارم الشريعة

صعوبة المعيار الذي تدرك به حقائق العلوم « 1 » كما أن للدراهم والدنانير ميزانا قد عرف أهلها صحته فلكل علم ميزان نحو الحساب للمعدودات والهندسة للممسوحات والعروض للشعر والنحو للألفاظ العربية وإلى هذا أشار بقوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ « 2 » الآية وأوصى الذين أعطاهم الموازين فقال : وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ « 3 » وقال تعالى : أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ « 4 » فكل شاك أو منازع غيره في مقدار فحقه أن يعتمد ميزانه إن عرفه ويقلد أربابه إن لم يعرفه ؛ فإن من ترك ذلك وأخذ يخرص ويحزر ويظن ويخمن لم يزل شكه ولم يسقط خلافه ؛ فالخرص قلما يصدق والظن قلما يوافق ويحقق ولذلك عبر بالخرص عن الكذب فقال تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ « 5 » وقال تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ « 6 » وقال تعالى في ذم الظن : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً « 7 » ومعلوم أن ميزان الدين الذي صوابه يوصل إلى الثواب العظيم وخطؤه يفضى إلى العذاب الأليم أصعب الموازين وأشرفها وأولاها بالمعرفة ، وكثير في زماننا ممن تحلى بعلم الكلام وترشح فيه للجدال والخصام ورام الزعامة فيه قبل أوانها ، وطلب تحقيق موزوناته بغير ميزانها . أخذ كل

--> ( 1 ) في نسختي ط ، د « تعرف » بدلا من « تدرك » ولا خلاف . ( 2 ) الحديد / 25 . ( 3 ) الشعراء / 182 . ( 4 ) هود / 85 . ( 5 ) الزخرف / 20 . ( 6 ) الذاريات / 10 . ( 7 ) النجم / 28 .