الراغب الأصفهاني

254

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الحال التي يجب أن يكون الواعظ عليها « 1 » حق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ ، ويبصر ثم يبصّر ويهتدي ثم يهدي ، ولا يكون كدفتر يفيد ولا يستفيد ، وكمسن يشحذ ولا يقطع ، بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده ، وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمى أكثر مما تفيد ، ويجب أن لا يجرح مقاله بفعاله ، ولا يكذب لسانه بحاله ، فيكون ممن وصفهم اللّه تعالى بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى قوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ « 2 » ونحو ما قال عليّ كرم اللّه وجهه ( قسم ظهري رجلان جاهل متنسك وعالم متهتك فالجاهل يغر الناس بتنسكه والعالم ينفرهم بتهتكه ) « 3 » والواعظ ما لم يكن مع مقاله فعاله لا ينتفع به وذلك أن عمله يدرك بالبصر ، وعلمه مدرك بالبصيرة ، وأكثر الناس أصحاب الأبصار دون البصائر ، فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم الذي لا يدركه إلا البصير منهم « 4 » . ومنزلة الواعظ من الموعوظ كمنزلة المداوي من المداوى فكما أن الطبيب إذا قال للناس لا تأكلوا هذا فإنه سم قاتل ثم رأوه آكلا له عد سخرية وهزأ ، كذلك الواعظ إذا أمر بما لا يعمله . وبهذا النظر قيل يا طبيب طب نفسك بل قد قال تعالى : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ

--> ( 1 ) في ط « ذكر الحال . . . » ولعلها زيادة من جنس « في » التي توجد كثيرا في د وتعني مبحث في كذا . ( 2 ) البقرة / 204 ، 205 . ( 3 ) انظر / سجع الحمام في حكم الإمام / 263 . ( 4 ) هنا نجد في النسخ بعض التقديم في الألفاظ لكن المعنى هو نفسه تماما .