الراغب الأصفهاني

248

الذريعة إلى مكارم الشريعة

تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم وكن كالطبيب الحاذق يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع ، وقد قيل تصفح طلاب حكمك كما تتصفح خطاب حرمك وبهذا ألم أبو تمام فقال : وما أنا بالغيران من دون جيرتي * إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم وقيل لبعض الحكماء ما بالك لا تطلع أحدا على حكمة يطلبها منك فقال اقتداء بالباري جل وعلا حيث قال : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ « 1 » فبين أنه إنما منعهم لما لم يكن فيهم خير ، وبين أن في إسماعهم ذلك مفسدة لهم وسأل جاهل حكيما عن مسألة من الحقائق فأعرض عنه ولم يجبه فقال له أما سمعت قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة » « 2 » فقال بلى سمعته ، أترك اللجام ها هنا وأذهب فإذا جاء من ينفعه ذلك وكتمته فليلجمني به ، وقال بعض الحكماء في قوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً « 3 » أنه نبه به على هذا المعنى وذلك أنه لما منعنا من تمكين السفيه من المال الذي هو عرض حاضر يأكل منه البرّ والفاجر تفاديا أنه ربما يؤديه إلى هلاك دنيوي فلأن يمنع من تمكينه من حقائق العلوم التي

--> ( 1 ) الأنفال / 23 . ( 2 ) روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة وإن تقاربت ، والمعنى متفق . ورواية مسلم عن أبي هريرة « من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار » / مسلم / كتاب العلم . الترمذي كتاب العلم / 3 / حديث 2649 ، ابن ماجة مقدمة / باب 24 . حديث / 261 ويلاحظ أن النسخ التي بين أيدينا اختلفت في رواية الرواية ، وقد وضح سبب ذلك . ( 3 ) النساء / 5 .