الراغب الأصفهاني

239

الذريعة إلى مكارم الشريعة

أحوال الناس في استفادة العلم وإفادته كما أن الإنسان في مقتنياته أربعة أحوال : حال استفادة : فيكون مكتسبا ، وحال ادخار لما اكتسبه : فيكون به غنيا عن المسألة ، وحال إنفاق على نفسه : فيصير به منتفعا ، وحال إفادة لغيره : فيصير به سخيا ، كذا أيضا له في العلم أربعة أحوال : حال استفادة ، وحال تحصيل ، وحال استبصار ، وحال تبصير وتعليم . ومن أصاب مالا « 1 » فانتفع به ، ونفع مستحقيه كان كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة ، وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب ، وهذا أشرف المنازل . ثم بعده من استفاد علما فاستبصر به . فأما من أفاد غيره علمه ولم ينتفع هو به فهو كالدفتر يفيد غيره الحكمة وهو عادمها ، وكالمسن يشحذ ولا يقطع ، وكالمغزل يكسو ولا يكتسي ، وكذبالة المصباح تحرق نفسها وتضيء لغيرها ومن استفاد علما ولم ينتفع به هو ولا غيره فإنه : كالنخل يشرع شوكا لا يذود به * عن حمله كف جان وهو منتهب

--> ( 1 ) كلمة « مالا » وردت في جميع النسخ هكذا ولعل الصواب « علما » وذلك لأن المثل المضروب بعدها يرشح أنها « علما » ولأن قوله « ثم بعده من استفاد علما فاستبصر به » يؤكد أن التقسيم من استفاد وأفاد ، ثم من استفاد ولم يفد ثم من أفاد ولم يستفد ، ثم من لم يستفد ولم يفد ، هذا فضلا عن أن ترتيب درجة الذي تعلم واستبصر لا تجيء بعد من ملك مالا فنفع وانتفع .