الراغب الأصفهاني

13

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ثانيا : الغالب على مجموع الدراسات الأخلاقية أن الكتاب عدوا بداية الفكر الأخلاقي لدى المسلمين عند ابن مسكويه ( ت 456 ه ) ، وهذا التحديد الزمني يتجاهل أعلاما وكتابات في قرون سبقت ابن مسكويه ، ولا يمكن تجاوزها ونحن نرصد حركة هذا العلم وجذورها في الفكر الإسلامي . نذكر على سبيل المثال لا الحصر : الحارث بن أسد المحاسبي ( توفي 245 ه ) ، والجنيد بن محمد البغدادي ( توفي 298 ه ) والحكيم الترمذي محمد بن علي ( توفي 285 ه ) وأبو سعيد الخراز ( توفي 286 ه ) . وغير هؤلاء كثيرون . ففي كتابات هؤلاء المطبوع منها والمخطوط مفاهيم واضحة لها من الأصول الإسلامية ما يبعدها عن الشبه بالمفاهيم اليونانية « 1 » . فلقد تحدثوا عن الشخصية الخلقية ، وعن الفضائل والرذائل ، وعن السلوك الأخلاقي ، وربطوا هذه المفاهيم وغيرها بواقع المسلمين طلبا لإرجاعهم إلى حياة المسلمين في عهدهم الراشد ، وها نحن أولاء نذكر بعض الأمثلة التي تؤكد وجود مفاهيم أخلاقية إسلامية تصلح أساسا لعلم له خواص تميزه عن غيره . يقول الحكيم الترمذي في كتاب الأكياس والمغترين « فالمغتر في طلب العلم هو من يطلبه للنزهة أولا ، وليسمع من شيوخ يفخر بهم ثانيا ، ثم إذا علّم يعلم للمظهرية والرياء ، ويعجب بعلمه ويقول : أعلم الناس وأهديهم ورأيي خير من

--> ( 1 ) انظر / المحاسبي / الرعاية لحقوق اللّه ، ورسالة المسترشدين ، والمسائل في أعمال القلوب والجوارح . وللجنيد البغدادي / رسائل الجنيد . وللحكيم الترمذي / الفروق ومنع الترادف ، والرياضة وأدب النفس . ولأبي سعيد الخراز / كتاب الصدق تحقيق د . عبد الحليم محمود . وجميع ما ذكرنا مطبوع منذ سنوات تناهز العشرين .