الراغب الأصفهاني

237

الذريعة إلى مكارم الشريعة

كانت ثمرتها نافعة . ويجب ألا يخوض الإنسان في فن حتى يتناول من الفن الذي قبله على الترتيب بلغته ، ويقضي منه حاجته ، فازدحام العلم في السمع مضلة للفهم ، وعلى هذا قال تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ « 1 » أي لا يجاوزون فنا حتى يحكموه علما وعملا . ويجب أن يقدم الأهم فالأهم من غير إخلال بالترتيب ، فإن كثيرا من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول . وحقه أن يكون قصده من كل علم يتحراه التبلغ به إلى ما فوقه حتى يبلغ النهاية ، والنهاية من العلوم النظرية معرفة اللّه تعالى على الحقيقة المصدوقة والعلوم كلها خدم لها وهي حرة . وقد روي أنه رئي صورة حكيمين من القدماء المتألقين في بعض مساجدهم ، وفي يد أحدهما رقعة فيها إن أحسنت كل شيء فلا تظن أنك أحسنت شيئا حتى تعرف اللّه تعالى ، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء . وفي يد الآخر : كنت قبل أن أعرف اللّه تعالى أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب . بل قد قال اللّه تعالى ما أشار به إلى ما هو أبلغ من حكمة كل حكيم : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ « 2 » ، أي اعرفه حق المعرفة ، ولم يقصد بذلك أن يقول ذلك قولا باللسان اللحمي ، فذلك قليل الغناء ما لم يكن عن طوية خالصة ومعرفة حقيقية ، وعلى ذلك قوله عليه الصلاة والسّلام : « من قال لا إله إلا اللّه مخلصا دخل الجنة » « 3 » .

--> - الصواب الذي يناسب المعنى « بالعلوم والنظر » المحقق . ( 1 ) البقرة / 121 . ( 2 ) الأنعام / 91 . ( 3 ) جزء من حديث قال عنه الحافظ العراقي : رواه الطبراني من حديث زيد بن أرقم في معجمه الكبير والأوسط ، بإسناد حسن ، وله شاهد من حديث أبي ذر » مسلم -