الراغب الأصفهاني
226
الذريعة إلى مكارم الشريعة
كون العلوم مركوزة في نفوس الناس « 1 » نفس « 2 » الإنسان معدن الحكمة والعلوم ، وهي مركوزة فيها بالفطرة ، مجعولة لها بالقوة ، كالنار في الحجر ، والنخلة في النواة ، والذهب في الحجارة ، وكالماء تحت الأرض ، لكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري ، ومنه ما يعاين تحت الأرض « 3 » لكن لا يتوصل إليه إلا بدلو ورشاء ، ومنه ما هو كامن يحتاج في استنباطه إلى حفر وتعب شديد ، فإن عني به أدرك وإلا بقي غير منتفع به ، كذا العلم في نفوس البشر ، منه ما يوجد من غير تعلم بشري وذلك حال الأنبياء ، فإنه تفيض عليهم المعارف من جهة الملأ الأعلى ، ومنه ما يوجد بأدنى تعلم ، ومنه ما يصعب وجوده كحال أكثر عوام الناس . ولكون العلوم مركوزة في النفوس قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ إلى قوله : بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ « 4 » . فنبّه أنهم أقروا أن اللّه هو الذي يربيهم ويغذيهم ويرزقهم ويكملهم من الطفولية . فهذا إقرار نفوسهم كلهم بما ركز في عقولهم . فأما الإقرار باللسان فلم يحصل من كلهم ، وكذا المعنى بقوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 5 » أي لو اعتبرت أحوالهم لكانت نفوسهم وجوارحهم تنطق بذلك ، وعلى هذا قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ
--> ( 1 ) في ط ، د « العلم » بالإفراد ، « ومركوزا » كذلك بالتذكير . ومع صغر الفرق إلا أن سياق المبحث يؤكدا أنها العلوم كما هو في التفصيل . ( 2 ) كلمة « نفس » سقطت من ط ، وبعدها ضمائر تعود عليها . ( 3 ) « لكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري ، ومنه ما يعاين تحت الأرض » كل هذا سقط من ط ، وموجود في أ ، د ، والسياق يؤكد وجوده . ( 4 ) الأعراف / 172 . ( 5 ) الأعراف / 87 .