الراغب الأصفهاني
216
الذريعة إلى مكارم الشريعة
حتى يقال إنه غلب عليه . ولذلك اختلفوا في جواز إطلاق اسم الإيمان على من أقر بالشهادتين : فقال بعضهم : يجوز ذلك نظرا منه إلى قوله عليه السّلام في الجارية التي سألها عن اللّه فأشارت نحو السماء ، وعن النبوة فأشارت إليه عليه السّلام ، فقال : « اعتقها فإنها مؤمنة » « 1 » . ولأن الإيمان ليس بذي منزلة واحدة . ومن قال لا يجوز فنظر منه إلى قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ « 2 » ولما روي عنه عليه السّلام أنه قال : « من قال أنا مؤمن فهو فاسق ، ومن قال أنا عالم فهو جاهل » « 3 » فإن قيل : ما معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن » « 4 » ؟ قيل : الإيمان ذو منازل كما وصفه عليه السّلام . وإنما يكون الإنسان مؤمنا بلا مثنوية إذا استوعب منازله كلها ، فتعرى من جميع الشرور وتخصص بجميع الخيرات على قدر طاقة البشر ، ومتى انخرم بعض ذلك خرج هو عما هو ، كقولهم عشرة في كونه اسما لعدد مخصوص إذا سقط بعضه سقط ذلك الاسم عنه ، ومن شرط الإيمان الكامل ألا يكون زانيا ولا سارقا .
--> ( 1 ) صحيح مسلم / كتاب المساجد / باب / 7 حديث 537 . ورواه برواية أخرى أبو داود في باب الإيمان والنذور / 3283 - ورواه النسائي في الوصايا / 6 / 252 . ( 2 ) الأنفال / 2 . ( 3 ) رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف . وقال ابن حجر في فتاواه : هذا مع ضعف سنده من كلام يحي بن كثير من صغار التابعين ، قال : ومن رفعه إلي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقد وهمه الحفاظ ، وقد ثبت عن كثير من الصحابة وغيرهم قول كل منهم « أنا عالم » وما كانوا ليقعوا في شيء ذمه النبي الكريم وأبلغ من هذا قول يوسف ( إني حفيظ عليم ) نصب الراية للزيلعي / 3 / 318 - كشف الخفاء - 2 / 269 حديث / 2557 . ( 4 ) رواه البخاري / كتاب الحدود / 6 حديث / 6782 . فتح الباري / 12 / 81 .