الراغب الأصفهاني
208
الذريعة إلى مكارم الشريعة
تعذر إدراك العلوم النبوية على من لم يتهذب في العلوم العقلية « 1 » المعقولات تجري مجرى الأدوية الجالية للصحة ، والشرعيات تجري مجرى الأغذية الحافظة للصحة ، وكما أن الجسم متى كان مريضا لم ينتفع بالأغذية ، ( و ) لم يستفد بها ، بل يتضرر بها ، كذلك من كان مريض النفس كما قال تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ « 2 » لم ينتفع بسماع القرآن الذي هو موضوع الشرعيات ، بل صار ذلك ضارا له مضرة الغذاء للمريض ، ولهذا قال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ « 3 » . وأيضا فالقلب بمنزلة مزرعة للمعتقدات ، والاعتقاد فيه بمنزلة البذر إن خيرا وإن شرا ، وكلام اللّه تعالى بمنزلة الماء الذي يسقيه ولذلك سماه ماء على ما تقدم ذكره ، فكما أن الماء إذا سقى الأرض يختلف نباته بحسب اختلاف بذوره ، كذلك القرآن إذا ورد على الاعتقادات الراسخة في القلوب ، تختلف تأثيراته « 4 » ، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى : وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ « 5 » الآية ، وقال تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً « 6 » .
--> ( 1 ) في ط ، د « في العلوم العقلية » وفي أ « في الأمور العقلية » . ( 2 ) البقرة / 10 . ( 3 ) التوبة / 124 ، 125 . ( 4 ) من « الذي يسقيه » حتى « تأثيراته » سقط من ط وحدها . ( 5 ) الرعد / 4 . ( 6 ) الأعراف / 58