الراغب الأصفهاني

200

الذريعة إلى مكارم الشريعة

فهذا القدر من المعرفة في نفس كل أحد ، ويتنبه الغافل عنه إذا نبّه عليه فيعرفه كما يعرف أن ما هو مساو لغيره فذلك الغير مساو له ، ومن هذا الوجه قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 1 » وقال في مخاطبة المؤمنين والكافرين : ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ « 2 » ثم قال بعده : ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ « 3 » . وأما معرفة اللّه تعالى المكتسبة فمعرفة توحيده وصفاته ، وما يجب أن يثبت له من الصفات ، وما يجب أن ينفى عنه . وهذه المعرفة هي التي دعا الأنبياء عليهم السّلام لها وحثوا عليها ، ولهذا قال كلهم : قولوا لا إله إلا اللّه ، ولم يدع أحد إلى معرفته تعالى بل دعا إلى توحيده . وهذه المعرفة أعني المكتسبة على ثلاثة أضرب : ضرب لا يكاد يدركه إلا نبي أو صديق أو شهيد ومن داناهم ، وذلك معرفته بالنور الإلهي من حيث لا يعتري فيه شك بوجه ، كما قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا « 4 » . وضرب : يدرك بغلبة الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين ، كما قال تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ « 5 » . وضرب : يدرك بخيالات ومثل وتقليدات ، وإياه عني بقوله تعالى :

--> ( 1 ) لقمان / 25 . ( 2 ) النحل / 53 . ( 3 ) النحل / 54 . ( 4 ) الحجرات / 15 . ( 5 ) البقرة / 46 .