الراغب الأصفهاني

195

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الإنسان ، ووجوده في قلبه سبب لوجوده في لسانه ، ولوجوده في كتابته . ويقال للوجودين أي للوجود في القلب والوجود في اللسان الذكر ، ولا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك عن ذكر في القلب ، بل لا يكون ذلك ذكرا . والذكر بالقلب ضربان : أحدهما : استعادة ما قد استثبته القلب فانمحى عنه بنسيان أو غفلة ، وهذا هو في الحقيقة التذكر ، والثاني : ثبات وجود الشيء في القلب من غير نسيان أو غفلة ، وذكر اللّه تعالى على نحو الأول غير مرتضى عند الأولياء وإنما يحمد إذا كان على النحو الثاني . واعلم أن ذكر اللّه تعالى تارة يكون بعظمته فيتولد منه الإجلال والهيبة ، وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن . وتارة بفضله ورحمته فيتولد منه الرجاء « 1 » ، وتارة بنعمته فيتولد منه الشكر ، ولذلك قيل ذكر النعمة شكرها ، وتارة بأفعاله الباهرة فيتولد منه العبرة . فحق المؤمن ألا ينفك أبدا من ذكره على أحد هذه الوجوه ، وعليها دل قول اللّه تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ . . . إلى قوله : فَقِنا عَذابَ النَّارِ « 2 » ، أي يذكرونه في كل حال ، لأن الإنسان لا ينفك من هذه الأوجه الثلاثة . فإن قيل ما حقيقة ذكر اللّه تعالى عند ابتداء الأعمال حتى قال عليه السّلام : « كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر اللّه تعالى فهو أبتر » « 3 » ؟ قيل : نبّه بذلك

--> ( 1 ) « وتارة بفضله ورحمته فيتولد منه الرجاء » سقطت من ط . ( 2 ) آل عمران / 190 . ( 3 ) رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة مرفوعا ، وفي رواية لابن ماجة بالحمد للّه فهو أقطع ، ورواية أبي داود « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم -