الراغب الأصفهاني

193

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ويحتاج الرأي إلى أربعة أشياء : اثنان من جهة الزمان : في التقديم والتأخير ، أحدهما : أن يعيد النظر فيما يرتئيه ، ولا يعجل إمضاءه حتى يعب ، فقد قيل إياك والرأي الفطير ، وقد قيل دع الرأي يعب . وأكثر من يستعجل في ذلك ذوو النفوس الشهمة والأمزجة الحادّة ، والثاني : لا يدافع به بعد إحكامه ، فقد قيل رو تحزم وإذا استوضحت فاعزم ، وقيل أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع فيه ، وقال تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ « 1 » ، وأكثر من يدافع ذوو النفوس المهينة والأمزجة الباردة . واثنان : من جهة الناس : أحدهما : ترك الاستبداد بالرأي ، فالاستبداد بالرأي من فعل المعجب بنفسه ، وقد قيل الأحمق من قطعه العجب بنفسه عن الاستشارة ، والاستبداد عن الاستخارة . والثاني : أن يتخير من تجوز مشاورته : فما كل ذي لب مؤتيك نصحه * وما كل مؤت نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحد * فحق له من طاعة بنصيب « 2 » ومن دخل في أمر بعد الاحتراز من هذه الأربعة فقد أحكم تدبيره ، فإن لم ينجح عمله لم يلحقه مذمّة . وأما التدبير : فنحو الرأي ، لكن يقال له إذا استعمل في النظر في عواقب الأمور ، واشتقاقه يقتضي ذلك لأنه تأمل دبر الأمر ، وعليه حث

--> ( 1 ) آل عمران / 159 . ( 2 ) ديوان بشار شرح الشيخ محمد الطاهر عاشور طبعة أولى / 1957 م ج 4 ص 23 . قال السيرافي هو لأبي الأسود الدؤلي ، وقال نسبهما الجاحظ في الحيوان إلى أبي الأسود الدؤلي ، ورأيت البيت الأول في كتاب سيبويه . لكنهما في ديوان بشار . .