الراغب الأصفهاني

188

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ذلك وكان ذا فهم ثاقب ، قوي في الفراسة ، وقد عمل في ذلك كتب فمن تتبع الصحيح منها اطلع منها على صدق ما ضمنوه ، والفراسة ضرب من الظن ، وقد سئل بعض محصلة الصوفية عن الفرق بينهما . فقال : الظن بتقلب القلب ، والفراسة بنور الرب تعالى ، وكل من قوي فيه نور الروح المذكور في قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 1 » كان ممن وصفه بقوله تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ « 2 » وكان ذلك النور شاهدا منه أصاب فيما حكم به . ومن الفراسة قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في المتلاعنين : « إن أمرهما بين لولا حكم اللّه » « 3 » ومن الفراسة علم الرؤيا وقد عظم اللّه أمرها في جميع الكتب المنزلة ، وقال لنبيه عليه السّلام : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ « 4 » وقال تعالى : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ « 5 » الآية . وقال في قصة إبراهيم الخليل عليه السّلام : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ « 6 » ، وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه السّلام : يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ « 7 » .

--> ( 1 ) الحجر / 29 . ( 2 ) هود / 17 . ( 3 ) ليس بهذا اللفظ ولكن بمعناه وردت قصة في البخاري كتاب اللعان / 31 حديث / 5310 . ( 4 ) الإسراء / 60 . ( 5 ) الأنفال / 43 . ( 6 ) الصافات / 102 . ( 7 ) يوسف / 4 .