الراغب الأصفهاني

170

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ولاختلاف النظرين قال قوم : العقل مبدع ، وقال قوم هو مكتسب ، وكلا القولين صحيح من وجه ووجه . والعقل الغريزي للنفس بمنزلة البصر للجسد ، والمستفاد لها بمنزلة النور ، وكما أن البدن متى لم يكن له بصر فهو أعمى كذلك النفس متى لم يكن لها بصيرة أي العقل الغريزي فهي عمياء ، وكما أن البدن متى لم يكن له نور من الجو لم يفد بصره ، كذلك النفس متى لم يكن لها نور من العلم مستفاد لم تجد بصيرتها « 1 » ، ولذلك قال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ « 2 » . وقد جعل للعقل نظر وإدراك ورؤية وإبصار ، وجعل له أضداده من العمى وغيره ، قال اللّه تعالى : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 3 » وقال : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى « 4 » وقال وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 » . ولما كان فقدان البصيرة أشنع من فقدان البصر - لأن بارتفاع البصيرة ارتفاع النفع بالبصر - قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى

--> - وهو ضعيف ، وأورد في الجامع الصغير عن ابن عمر أيضا بلفظ « ما أهدى المرء المسلم هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده اللّه بها هدى ، أو يرده بها عن ردى » كشف الخفاء / 2 / 180 . ( 1 ) في هذه الفقرة تبادلت النسخ ألفاظا متحدة المعنى آثرنا ما ذكرنا لتناسقه في المقارنة . ( 2 ) النور / 40 . ( 3 ) الأعراف / 198 . ( 4 ) النجم / 11 . ( 5 ) الأنعام / 75 .