الراغب الأصفهاني
126
الذريعة إلى مكارم الشريعة
اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ « 1 » وأن يتحراه بخلوص طوية كما قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ « 2 » ، وألا يقصد به جلب منفعة دنيوية أو دفع مضرة ، فإنه يكون بفعله ذلك تاجرا ، ويجب عند بعض المحققين ألا يطلب به منفعة أخروية أيضا ، فقد قيل : « من عبد اللّه بعوض فهو لئيم » « 3 » ومن فعل ذلك بانشراح صدر فهو أولى ممن يفعله بمجاهدة نفس ، ولهذا قال عليه السّلام « إن استطعت أن تعمل للّه في الرضا باليقين فاعمل وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير » « 4 » ، وقولهم « الحق مر » فهو باعتبار من لم تتهذب نفسه ، ولم يزل مرضه . فمن يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا « 5 » فأما من كمل فإنه يستطيب الحق وإن كان ثقيلا ، كما قال عليه السّلام : « وجعل قرة عيني في الصلاة » « 6 » ، ومن أصلح خلقه وهذب نفسه فقد حاز أعظم المآلين « 7 » .
--> ( 1 ) البقرة / 265 . ( 2 ) البينة / 5 . ( 3 ) عبارة الإمام عليّ « أن قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجار . . . » وهي نفس المعنى - نهج البلاغة / 396 . ( 4 ) ذكر ابن تيمية عند حديثه عن الرضا أنه روى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لابن عباس : « إن استطعت أن تعمل للّه بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا » وقد رواه الترمذي من نفس الطريق الفتاوى / 10 / 40 . ( 5 ) هو للمتنبي في ديوانه / 141 . ( 6 ) سبق تخريجه . ( 7 ) في ط فهو أعظم الملكين ولعلها المالكين ، وفي د فقد صار أعظم المالكين .