الراغب الأصفهاني

118

الذريعة إلى مكارم الشريعة

حتى لو تصورت مرتفعة لما أمكن الوصول إلى الآخرة ، وذلك أن الوصول إلى الآخرة بالعبادة ، ولا سبيل إلى العبادة إلا بالحياة الدنيوية ، ولا سبيل إلى الحياة الدنيوية إلا بحفظ البدن ، ولا سبيل إلى حفظ البدن إلا بإعادة ما يتحلل منه ، ولا يمكن إعادة ذلك « 1 » إلا بتناول الأغذية ، ولا يمكن تناول الأغذية إلا بالشهوة ، فإذا الشهوة محتاج إليها ، ومرغوب فيها وتقتضي الحكمة الإلهية إيجادها ، وتزيينها كما قال تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ « 2 » . لكن مثلها كمثل عدو تخشى مضرته من وجه ، وترجى منفعته من وجه « 3 » ، ومع عداوته لا يستغنى عن الاستعانة به ، « 4 » فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يسكن إليه ، ولا يعتمد عليه إلا بقدر ما ينتفع به . وما أصدق في ذلك قول المتنبي إذا تصور في وصف الشهوة ، وإن قصدها فما أجود ما أراد . ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى * عدوا له ما من صداقته بد « 5 » وأيضا فهذه الشهوة هي المشوقة لعامة الناس إلى لذات الجنة من المأكل والمشرب والمنكح ، إذ ليس كل الناس يعرف اللذات المعقولة .

--> ( 1 ) النسخ تختلف في قليل من ترتيب اللفظ والمعنى متفق ، لذا آثرنا أوسطها ففي د سقطت ولا يمكن إعادة ذلك ، وفي ط ، ولا سبيل إلى إعادة ذلك . ( 2 ) آل عمران / 14 . ( 3 ) « وترجى منفعته من وجه » ساقطة من أ . ( 4 ) به ساقطة من أ . ( 5 ) ديوان المتنبي / 198 .