الراغب الأصفهاني
103
الذريعة إلى مكارم الشريعة
شَيْءٍ « 1 » ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم رسول اللّه أتاه بالكتاب ليبين له ما يشكل عليه مما يقرؤه من الكتاب . وقبيح أن ينسى هذا الوالي مولاه ، ويهمل خليفته فلا يراجعه فيما يبرمه وينقضه ، ويصرف همه كله إلى تفقد فرسه وسائسه ، ويقيم سائس فرسه مقام خليفة ربه . ومن وجه آخر الإنسان من حيث ما جعله اللّه عالما صغيرا وجعل بدنه كمدينة والعقل كملك مدبر فيها ، وقواه من الفكرة والخيال والحواس كجنده وأعوانه ، والأعضاء كرعيته ، والشهوة كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته ، صار بدنه كرباط وثغر ، ونفسه كمقيم فيه مرابط ، فإن جاهد عدوه فهزمه وقهره « 2 » على ما يجب وكما يجب حمد أثره إذا عاد إلى حضرته كما ضمنه تعالى حيث قال : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً « 3 » فدفاع الهوى أعظم جهاد كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم وقد سئل أي الجهاد أفضل . فقال : « جهادك هواك » « 4 » . وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته
--> ( 1 ) الأنعام / 38 . ( 2 ) في ط أعداءه فهزمهم أو أسرهم أو قهرهم ، وفي د عدوه فهزمه أو أسره أو قهره ، ولعل الإفراد أنسب للسياق « والشهوة كعدو ينازعه » والمعنى واحد . ( 3 ) النساء / 95 . ( 4 ) في معناه حديث رواه البيهقي عن جابر بسند ضعيف ، وفيه « قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، قالوا وما الجهاد الأكبر ؟ قال مجاهدة العبد هواه . وقال الحافظ العراقي عن حديث « المهاجر من هجر السوء ، والمجاهد من جاهد هواه » . ابن ماجة في الشطر الأول ، والنسائي في الشطر الثاني ، وكلاهما من حديث فضالة ابن عبيد بإسنادين جيدين ، وقال رواه الحاكم وصححه / انظر / كشف الخفاء / 1 / 425 والإحياء / تخريجات الحافظ العراقي .