الراغب الأصفهاني

95

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وأما عمارة الأرض فالقيام بما فيه تزجية لحياة الناس وصلاح معاشهم ، والإنسان « 1 » الواحد من حيث إنه لم يكف أمر معاشه بانفراده في مأكله وملبسه ومسكنه ، ولم يكن له سبيل إلى ثباته في الدنيا إلا بما يسد جوعته ، ويستر عورته ، ويقيه من الحر والبرد ، لم يكن له بد من تحصيل ذلك من الوجه المباح له ، ولذلك قال تعالى : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى « 2 » ، ومتى كان سعي العبد في ذلك على الوجه الذي يجب وكما يجب يكون سعيه عبادة وجهادا في سبيل اللّه ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من طلب الرزق على ما يسن فهو في جهاد ، ومن لم يكن على ذلك فسعيه هباء منثور » « 3 » ، كما قال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً « 4 » . وكان فيما يتولاه خادما للناس ، مسخرا بلا إرادة منه لخدمتهم ، حتى كأنّه من جملة البهائم التي سخرها اللّه تعالى لعباده ، وأمتن عليهم « 5 » بها في قوله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً « 6 » . .

--> - الثانية بالأولى صلة النتيجة بالسبب ، فالصلاة عبادة لكنها تنهى عن الفحشاء والزكاة عبادة لكنها تطهر ، وهكذا ، فالمكارم فضل ينبني على أساس العبادة وتقتضيه هي بحكم الحكمة منها ، . ( 1 ) في أو الإنسان ، ولكن الفاء تناسب التفصيل الذي بعدها . ( 2 ) طه / 118 ، 119 . ( 3 ) هكذا أورده المؤلف ، ولم أجده في كتب الحديث ، والمؤلف ليس من أهل الحديث فيعتمد قوله هذا ، ولذا فهذا كلام حتى يثبت كونه حديثا بمعرفة أهل الحديث المختصين . ( 4 ) الكهف / 103 ، 104 . ( 5 ) في د ، ط فامتن ، ولكن الواو هنا أوضح إذ ليس المراد الترتيب . ( 6 ) النحل / 8