عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

99

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

حكاية [ رقم 2 ] سمعت يا بنى أنه كان بمدينة الري في وقت ما امرأة عجوز ، وكانت ابنة ملك وعفيفة وزاهدة وابنة عم أمي وزوجة فخر الدولة ، ولما توفى « 1 » فخر الدولة بقي له ولد صغير لقبوه بمجد الدولة ، وخلعوا عليه لقب الملكية ، وكانت أمه تسوس الملك ، ولما كبر مجد الدولة ، جاء بئس الخلف ولم يكن أهلا للملك ، وكان يلهو في البيت مع الجواري وملكت أمه تسعا وثلاثين سنة ، ومقصودى من هذه الحكاية هو أن جدك السلطان محمود أرسل إليها رسولا وقال يجب أن تجعلى الخطبة والسكة باسمي وإلا فأجىء وآخذ الري وأبيدك ، فلما جاء الرسول وأدى الرسالة ، قالت السيدة : قل للسلطان محمود إني كنت أفكر أنه ما دام زوجي فخر الدولة حيا يتراءى لك أن تقصد الري ، فلما تلقى أمر ربه ، وصار إلى الأمر زال من خاطري هذا الفكر ، وقلت إن السلطان محمود ملك عاقل ، ويعرف أنه لا ينبغي لملك مثله المجىء لحرب امرأة ، لأن الأسد يكون ذكرا ويكون أنثى أيضا ، وإن يأت فإن الحق تعالى عالم بأنى لن أفر وأنى ثابتة للحرب ، لأن الأمر لا يخرج عن وجهين : إما أن يكون لي الظفر أو تقع على الهزيمة ، فإن يكن لي الظفر وأهزمك فإني أكتب لجميع العالم أنى كسرت السلطان محمود ، أو يكون لي الفخر وتكون أنت السلطان الذي كسر أكثر من مائة ملك وأهزمك أنا الآن ، ويشيع في العالم أن امرأة قهرت السلطان محمود وكسرته ويبطل اسمك ، ولا يكون عار قط أسوأ لك من ذلك ، إذ يقولون إن امرأة كسرت السلطان محمود ، وإن يكن لك الظفر وتكسرنى لن يكون لك فخر وصيت قط ، ولا ينشدون شعر الفتح في هذا ، لأنه لا يحصل صيت وفخر من كسر امرأة ، فلما أبلغوا السلطان محمود ، هذا الكلام وهذه الرسالة لم يقصد الري مرة أخرى طول عمره ، وتعطل ذلك العزم بهذه الكلمة الواحدة . فلا تحقر عدوك كثيرا ، ولا تكن آمنا من العدو بأي حال ، وخف على الأكثر من العدو الداخلي ، لأنه لا يتفق للأجنبي في أمرك ذلك الاطلاع والنظر اللذان يتفقان له ، وعندما ينقطع عنك لا يخلو قلبه أبدا من الحقد عليك ويستفسر عن أحوالك ، ولا يعرف العدو الخارجي ما يعرفه هو ، فلا تصادق أي عدو صداقة خالصة ، ولكن تبدى صداقة مجازية ، فلعل ذلك المجازى يصير حقيقة ، لأن الصداقة تنشأ من العداوة ، والعداوة تنشأ من الصداقة ، واجتهد أن يكون أصدقاؤك أضعاف أعدائك ، وكن كثير الصديق قليل العدو ، ولا تغفل أيضا عن عدو واحد بأمل ألف صديق ، لأن الألف صديق يغفلون عن رعايتك ولا يغفل ذلك العدو عن عداوتك ، ولا تبدأ العدو الذي يكون أقوى منك بالعداوة ، ولا تتقاعس عن أن تشتد على ذاك الذي يكون أضعف منك ، ولكن إذا طلب عدو منك الأمان فأعطه الأمان ، ولو كان عدوا قاسيا وكان مسيئا إليك ، وعد ذلك غنيمة كبرى فقد قيل : إن العدو المستأمن والعدو الهارب والعدو الميت سواء ، ولكن إذا وجدته ذليلا فلا تقعد عنه

--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : تلقى الأمر .