عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

92

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

وعبد من عبيدي اسمه زيرك بأنفسنا من السفينة في الماء ، وخرجنا سابحين ، وهؤلاء الآخرون هلكوا جميعا ، فزاد حب أبى في قلبي من بعد ذلك ، وتصدقت من أجله ، وترحمت عليه كثيرا ، وعلمت أن ذلك الشيخ كان قد رأى مثل هذا اليوم من قبل فعلمني السباحة ، فينبغي أن تعلم أبناءك ما يكون جديرا بالتعلم من الفضل والفن ، لتكون قد أديت حق الأبوة وشفقة الآباء ، لأنه لا يمكن الأمان من حوادث الأيام ، ولا يمكن معرفة ما يجرى على رؤوس العباد من خير وشر ، وكل فن وفضل ينفعه يوما ما ، فلا ينبغي أن يقصر المرء في فضل نفسه وتأديب أولاده ، ويجب أن تكون حريصا في تعلم العلم وكل علم تعلمه ، وإذا ضرب المعلمون ابنك من أجل التعليم فلا تشفق عليه ، ودعهم ليضربوه ، لأن الصبى يتعلم العلم والفضل والأدب بالعصا لا بالطبع ، أما إذا تأتّى من الصبى سوء أدب وغضبت منه فلا تضربه بيدك ، وخوفه بالمعلمين ومرهم ليؤدبوه ، حتى لا يبقى في قلبه بغضك ، أما أنت فكن دائما مهيبا عليه لكيلا يحتقرك ويخشاك دائما ، ولا تضن عليه بالقدر الذي يلزمه من المال حتى لا يطلب موتك من أجل المال ، ولا تقصر في تعليمه الأدب بأنواعه ، وإذا كان الولد تعسا وسيّئ الحظ - نعوذ بالله - تكون قد أديت ما كان من شرط الأبوة ، ولا تكون العهدة في عنقك ، وإذا كان رشيدا وحسن الحظ فإنه ينبغي أن يتعلم ويجرب ويصل إلى الكمال من نظر الفطانة وتجربة الأيام ، فقد قيل : ( من لم يؤدبه الأبوان أدبه الملوان ) . أما أنت فارع شرط الأبوة ، ويعيش هو كما يكون قد قدر عليه ، لأن المرء حينما يأتي من العدم إلى الوجود ، يوجد معه خلقه وسيرته ، وإذ ينشأ وينمو يوما فيوما يتربى أيضا خلقه وسيرته كلما كبر حتى يصل إلى الكمال فيكون قد ظهر تمام سعده وإدباره ، ولكن لا تضن عليه أنت بنصيبك ، وليس لأبناء الخاصة ميراث خير من الفضل والأدب ، وليس لأبناء العوام خير من الحرفة والأدب ، ولو أن الحرفة أيضا من عمل أبناء المحتشمين إلا أن الأدب شئ والحرفة شئ آخر ، أما الحرفة عندنا فهي خير فضيلة من وجه الحقيقة ، وإذا كان لأبناء الخواص وذوى الأصل مائة حرفة ولا يتكسبون منها لا يكون ذلك عيبا ، بل يكون فضلا ، والصنعة وممارسة الفن يثمران يوما ما ولا يضيعان . حكاية [ رقم 1 ] لما غادر كشتاسف مقره - وتلك القصة طويلة - أما المقصود فهو أنه نزل ببلاد الروم وذهب إلى مدينة القسطنطينية ، ولم يكن معه من مال الدنيا شئ ، وكان يرى العار في السؤال وطلب الطعام من أحد ، ويعده عيبا ، إلا أنه في صغره كان قد رأى في دار أبيه الحدادين حيث كانوا يعملون السكاكين والسيوف والسنان ، وبحكم الطالع كان قد وقع نظره على تلك الصناعة ، فكان يحوم حولها كل يوم ويرى ويتعلم شيئا منها ، وفي ذلك اليوم الذي دخل فيه بلاد الروم ، لم يكن يعرف حيلة قط ، فذهب إلى دكان حداد وقال إنني أعرف شيئا في هذه الصناعة فاستأجروه وأجروه بقدر ما كان يعرف فيها ،