عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

75

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

جميع الفقراء من غير ضرر يصيبهم ، لأن الفاقة أسوأ حالات المرء ، وكل خصلة تكون مدحا للأغنياء ، هذه الخصلة عينها تكون مذمة للفقراء . واعلم أن تجمل المرء في عطاء المال ، وأن قدر كل امرئ على مقدار تجمله . ولكن اعلم أن الإسراف عدو الله ، وكل شئ يعاديه الله شؤم على العباد ، كما قال الله تعالى في كلامه المجيد : وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( الأنعام : 141 ) . فالشىء الذي لا يحبه الله لا تحببه أنت أيضا ، ولكل آفة سبب ، واعلم أن الإسراف سبب للفقر ، وليس الإنفاق هو كل الإسراف ، بل لا يجب الإسراف في الأكل والقول والعمل وفي كل شغل يكون ، لأن الإسراف يوهن البدن ويتعب النفس ويميت العقل الحي ، ألا ترى أن حياة السراج من الزيت ، فإذا جعلته في السراج بغير حد ومقدار بحيث يسرى من طرف المسرجة إلى رأس الفتيلة فإنه يميت « 1 » السراج في الحال ، ويكون نفس ذلك الزيت سبب الموت ، ولو كان باعتدال لكان سببب حياته ؟ ولما كان الإسراف سبب مماته ، فقد صار معلوما أن السراج كان حيا بالزيت ولما جاوز الاعتدال وبدأ الإسراف ، إذا هو يموت كذلك بذاك الزيت الذي كان حيا به ، والله تعالى لا يحب الإسراف لهذا السبب ، والحكماء أيضا لم يرتضوا الإسراف في أي شأن لأن عاقبة الإسراف كله الضرر . ولكن لا تجعل حياتك مرة ، ولا تسد على نفسك باب الرزق ، وتعهد نفسك جيدا « 2 » ، ولا تقصر فيما يجب أن يكون ، لأن كل من يقصر في شأن نفسه ، لا يجد التوفير من السعادة ويبقى محروما من الأغراض ، وأنفق على نفسك ما تملكه ويكون لازما لك ، لأن المال وإن يكن عزيزا ، فليس أعز من النفس على أي حال ، وفي الجملة اجتهد في أن تستعمل كل ما تحصله في الصلاح ، ولا تودع مالك إلا بأيدي البخلاء ، ولا تعتمد قط على المقامر وشارب الخمر ، وظن كل شخص لصا ، ليكون مالك في أمان من اللص ، ولا تقصر في جمع المال ، لأن راحة البدن أولا هي الألم آخرا ، والألم أولا هو راحة البدن آخرا ، بحيث تكون راحة اليوم تعب الغد ، وتعب اليوم راحة الغد ، وإذا تحصل شئ بالتعب أو بغير التعب ، فاجتهد حتى تجعل نفقة بيتك دانقين من الدرهم ، ولا تنفق من مال عيالك أكثر من هذا ولو كان لازما وكنت محتاجا ، وإذا أنفقت هذين الدانقين ، فادخر دانقين من أجل الضرورة وو لهما ظهرك ، ولا تذكرهما في كل خلل ، واتركهما للورثة ، ليكونوا عونك أيام الضعف وأوان الشيخوخة ، واصرف ذينك الدانقين الآخرين اللذين يتبقيان في تجمل نفسك ، وتجمل بما لا يفنى « 3 » ويبلى ، مثل الجواهر والأدوات الذهبية والفضية والصفرية والبرونزية والنحاسية وأشباه هذه ، وإذا زاد شئ فأودعه التراب لأن كل ما تودعه التراب تجده ثانيا ، ويكون المال دائما في مكانه ، وإذا تجملت فلا تبع تجمل البيت في كل حاجة بضرورة تعرض لك ، ولا تقل : إنها الآن ضرورة ، فأبيع وأشترى ثانيا في وقت آخر ، لأنه لا يجوز بيع تجمل البيت من أجل كل خلل بأمل الشراء عوضه

--> ( 1 ) أي : يطفئ . واستعمل المؤلف كلمة يميت وكلمة الموت في مقابل كلمة الحياة . ( 2 ) ( خويشتن را نيك دار ) . ( 3 ) الترجمة الحرفية : يموت .