عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
58
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
حكاية [ رقم 2 ] سمعت أن المعتصم أمر مرة بضرب عنق مجرم بحضرته ، فقال المجرم : يا أمير المؤمنين بحق الله ورسوله ، ضيّفنى بشربة ماء ، ثم مر بما تشاء ، فإني ظمآن جدا ، فأمر المعتصم بحكم القسم ، فأعطوه الماء ليشرب ، وقال على عادة العرب ( كثر الله خيرك يا أمير المؤمنين ) بشربة الماء هذه كنت ضيفك ، فإذا كان طريق المروءة يوجب قتل الضيف فمر بأن يقتلوني ، وإلا فاعف حتى أتوب على يدك ، فقال المعتصم تقول حقا ، إن حق الضيف عظيم ، عفوت عنك ، فتب على أن لا ترتكب خطيئة بعد هذا ، فتاب ذلك الرجل وأطلق سراحه . فاعلم بأن رعاية حق الضيف واجبة ، ولكن حق الضيف الذي يستحق التقدير ، لا بحيث تأخذ كل ساقط إلى بيتك ثم تتواضع كثيرا قائلا إن هذا ضيفي ، ينبغي أن تعرف مع من يجب عمل هذه المروءة والتقرب . موعظة إذا ذهبت ضيفا فلا تكن ضيفا لكل من يؤذى الكرامة ، وإذا ذهبت للضيافة فلا تذهب وأنت جائع جدا ، ولا تشبع جدا أيضا ، لأنك إذا لم تأكل شيئا تأذى المضيف ، وإذا أكلت بإفراط فإنه يقبح ، وإذا ذهبت إلى بيت المضيف فاجلس حيث يجلسونك ويكون مكانك ، ولو أن البيت كان بيت صديقك وكان لك أمر ، فلا تأمر وأنت على الطعام والشراب في ذلك البيت ، ولا تقل لخدم المضيف أي فلان ؟ ضع هذا الطبق في المكان الفلاني ، واحمل هذه الآنية إلى المكان الفلاني ، يعنى إنني من أهل ذلك البيت ، لا تكن ضيف الفضول ، ولا تتقرب بطعام الناس وآنيتهم ، ولا تخطئ خادمك ، ولا تصر سكران فاقد الوعي ، وقم بحيث لا يبدو عليك أثر السكر في الطريق ، ولا يستولى عليك السكر بحيث تتحول عن صورة الآدميين ، وأتم السكر بدارك ، وإذا كنت مثلا قد شربت قدحا من النبيذ وارتكب من دونك مائة ذنب ، فلا تزجر أحدا قط وإن يكن مستوجب الأدب ، فإن أحدا قط لا يعد ذلك من قبيل الأدب ، ويقولون إنه يعربد ، وكل ما تريد عمله اعمله وأنت غير شارب للنبيذ ، ليعلم أن ذلك قصد لا عربدة ، لأنهم في ذلك الوقت يعدون كل شئ عربدة ، كما قالوا ( الجنون فنون ) ؛ أي الجنون أنواع ، والسكر أيضا نوع من الجنون ، والكلام الكثير في السكر عربدة ، وكثرة التصفيق والدبيب ، والتقرب الكثير بلا موجب عربدة ، فاحترز بعد هذا - في الصحو والسكر - من كل ما قلت إنه عربدة أو جنون ، ولا تذهب إلى أي شخص غريب وأنت سكران فاقد الوعي ، اللهم إلا عند عيالك وغلمانك ، ولا تطلب من المطربين سماع كل الألحان الخفيفة حتى لا تكون منسوبا إلى الرعونة والطيش ، ولو أن أكثر الشبان يطلبون الألحان الخفيفة والحزينة .