عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

42

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

حكاية [ رقم 2 ] سمعت أن رجلا كان نائما مع غلامه ، وقال للغلام اجعل دبرك من هذه الناحية ، فقال الغلام يا سيدي يمكن قول هذا الكلام بأحسن من هذا ، فقال ذلك الرجل كيف أقول ؟ قال الغلام قل هكذا : اجعل وجهك إلى تلك الناحية ، فالغرض واحد في كلا القولين ، حتى لا تكون قد قلت مثل تلك العبارة القبيحة ، فقال ذلك الرجل قد سمعت وأعتقتك . فينبغي أن يعرف وجه الكلام وظهره ، وأن تقول ما تقوله على الوجه الأفضل حتى تكون متكلما وبليغا أيضا ، فإذا كنت تتكلم ولا تدرى ما تقول فسواء أنت وذلك الطائر الذي يسمونه الببغاء ، فإنه أيضا متكلم ولكنه غير عارف بالكلام . ويجب على المتكلم أن يجعل كل ما يقوله واضحا للناس ليكون من جملة العقلاء ، وإلا فإنه يكون بهيمة في صورة إنسان ، أما الكلام فعظمه ، لأن الكلام نزل من السماء ، وكل الكلام الذي تعرفه لا تضن به في مقام القول ، ولا تضعه في غير موضعه ، حتى لا تكون قد جرت على العلم ، أما ما تقول فتقوله صدقا ، ولا تكن ذا دعوى بغير معنى ، وفي كل الدعاوى اعرف البرهان أكثر من الدعوى ، ولا تدعى المعرفة في العلم الذي لا تعرفه ، ولا تطلب العيش من ذلك العلم ، فإنه يمكن تحصيل القصد من ذلك العلم والفن إذا عرفته ، ولا تصل إلى شئ فيما لا تعرف . حكاية [ رقم 3 ] يقال إنه في أيام كسرى جاءت امرأة إلى بزرجمهر وسألته عن مسألة - علّه لم يكن معنيا بها في تلك الساعة - فقال لا أعلم . فقالت المرأة ، إذا كنت لا تعرف فبم تأكل نعمة الملك ؟ فقال بزرجمهر بما أعرف ، ولا يعطيني الملك شيئا عما لا أعرف ، وإذا كنت لا تعرفين فتعالى واسألى الملك . وفضلا عن ذلك لا تفرط في الأمور ، واعلم أن الإفراط شؤم ، وكن وسطا في كل الأمور فإن صاحب شريعتنا يقول ( خير الأمور أوسطها ) . وتعود الرزانة في القول والعمل ، وإذا ذممت من أجل تلك الرزانة والأناة ، فاعلم أن ذلك خير من أن تمدح من أجل التسرع والخفة ، ولا ترغب في معرفة سر لا يتعلق بنفعك أو ضرك ، ولا تبح بسرك لغيرك ، وإذا بحت به فلا تعد ذلك الكلام سرا من بعد ذاك ، ولا تسر إلى أحد أمام الناس ، فإنه مهما يكن باطن الكلام حسنا يحمل ظاهره على السوء ، ولأن الناس على الأكثر سيئو الظن بعضهم ببعض ، واجعل همتك في كل عمل وقول على قدر مالك ، ولتقل كل ما تقوله بحيث يشهد كلامك على صدقك مهما تكن عند الناس متكلما وصادقا ، وإذا لم ترد أن تعيب نفسك بالظلم فلا تكن شاهدا على شئ قط ، فإذا صرت شاهدا ، فلا تمتنع وقت أداء الشهادة ، واسمع كل كلام يقال ، ولكن لا تكن متهورا في وقت العمل ، ولا تقل ما تقول بغير