عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
38
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
وفضلا عن ذلك لا تثر ولا تحتد ولا تخل من الحلم ، ولكن لا تلن كليا كذلك فتؤكل من اللين ، ولا تكن أيضا فظا بحيث لا يمكن الوصول إليك قط ، وكن على وفاق مع كل قبيل ، فإنه بالوفاق يمكن تحقيق المراد من الصديق والعدو ، ولا تعلم أحدا السوء فإن تعليم السوء تلو عمل السوء ، وإذا أساءك إنسان بغير جرم ، فاجتهد ألا تسىء إليه ، فإن دار قلة الأذى في حي الإنسانية بل إن أصل الإنسانية قلة الأذى ، فإن كنت رجلا فكن قليل الأذى ، ويجب على المرء أن يتراءى في المرآة ، فإن كان له مرأى حسن ، وجب أن يكون عمله حسنا كمرآة ، وإن رأى وجهه قبيحا وجب عليه أن يكثر من عمل الإحسان ؛ لأنه إن عمل قبيحا وقع القبح على القبح ، وأكثر ما يكون قبيحا قبحان في مكان واحد ، واقبل النصح من الإخوان الموافقين ، وأخل كل وقت بناصحيك ، وإذا قرأت هذه الكلمات التي ذكرتها وعرفتها ، فلا تغتر بفضلك ومعرفتك ، ولا تظن أنك عرفت كل شئ وعد نفسك من جهلة الجهال ، فإنك تكون عالما حين تقف على جهلك . وكذلك سمعت في حكاية أنه في أيام كسرى برويز وعهد وزارة بزرجمهر ، جاء رسول من الروم فجلس كسرى كما كانت عادة ملوك الفرس ، وأذن للرسول ، وكان يريد أن يعمل برنامجا قائلا : إن لي وزيرا عالما في المقدمة ، فقال الرسول للوزير : يا فلان أتعرف كل الأشياء التي في العالم ؟ قال بزرجمهر : لا يا سيد العالم . فغضب كسرى من هذا الكلام وخجل من الرسول . فسأل من يعرف كل شيء ؟ قال بزرجمهر : كل شيء يعرفه كل الناس ، وكل الناس لم يولدوا من أمهاتهم بعد ؟ فعد نفسك من بين الجمع أجهل إنسان ، فإذا عرفت نفسك جاهلا صرت عالما ، ويكون المرء عالما إذ يعرف أنه جاهل وعاجز ، وكان سقراط مع علمه يقول : لو لم أخش أن يعيبنى أكابر أهل العقل من بعدى ويقولون إن سقراط ادعى كل علم الدنيا جملة لقلت إني لا أعرف شيئا مطلقا ، وإني عاجز ، ولكني لا أستطيع أن أقول ذلك فإنه يكون منى دعوى كبيرة ، وكان أبو شكور البلخي يمدح نفسه بالعلم فيقول : بيت لقد وصل علمي إلى * حيث عرفت أنى جاهل « 1 » فلا تغتر بعلمك ، ولو كنت عالما ، وإذا عرض لك أمر فلا تكن مستبدا برأيك مهما كانت لك القدرة على إنجازه ، لأن كل من يكون مستبدا برأيه يندم دائما ، ولا تر العار في المشورة ، وتشاور مع الشيوخ العقلاء والأصدقاء المشفقين فإنه مع حكمة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته بعد أن صار معلما وعاملا بأمر الله عز وجل قد أمره قائلا : ( شاورهم في الأمر يا محمد ) . تشاور مع هؤلاء المرضيين وأصحابك ، عليكم التدبير وعلىّ النصر فإني أنا الله . واعلم أن رأى شخصين لا يكون
--> ( 1 ) تا بدانجا رسيده دانش من * كه بدانستهام كه نادانم