عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

31

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب الخامس في معرفة حق الوالدين اعلم يا بنى أن الخالق لما أراد أن يعمر الدنيا ، أوجد أسباب النسل ، وصير شهوة الوالدين البهيمية سبب وجود الأبناء ، فأداء حقهما واجب على الأبناء بموجب الوجود ، وإياك أن تقول أي حق علىّ للوالدين ، لقد كان غرضهما الشهوة ، ولم أكن أنا المقصود ؟ فإن لهما فضلا عن الشهوة شفقة بالغة ، وقد احتملوا كثيرا . وأقل حق الأبوين أنهما الواسطة بينك وبين خالقك ، فينبغي بقدر ما تحترم خالقك أن تحترم الواسطة احتراما يليق بها ، والوليد ما دام صغيرا لا يحرم من الإرشاد وحب الأبوين له ، والله عز وجل يدعوهما بأولى الأمر . كما قرأت في التفسير أن أولي الأمر - على قول - هم الآباء والأمهات ، إذ إن حقيقة الأمر في العربية اثنان ، الأمر والعمل كلاهما ، وأولو الأمر من يكون لهم الأمر والقدرة على السواء ، وللأبوين القدرة على تربيتك والأمر بحسن تأديبك . أي بنى ، لا تستهن بإيلام قلب أبويك فإن الخالق عز اسمه يأخذ بحق الوالدين . ويقال إن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه سئل عن حق الأم والأب ، فقال : إنه هذا الأدب الذي وضعه الله تعالى في موت أبوى النبي صلى الله عليه وسلم . فقالوا وما هو ؟ قال : إنهما لو كانا أدركا زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، لكان واجبا على النبي من أن يضعهما فوق نفسه ، وأن يتواضع ويؤدى حق البنوة ، ثم لكان هذا الكلام حيث قال : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) يجئ ضعيفا ، فإذا لم تنظر إلى الأبوين من وجهة الدين فانظر إليهما من وجهة إنسانيتك ، إذ إن الأبوين سبب خيرك وأصل تربيتك . وعندما تكون مقصرا في حقهما فإنه يتضح كذلك أنك لست أهلا لأي خير ؛ لأن من لا يعرف حق الأصل لا يعرف قدرا لخير الفرع أيضا . وكيف يكون من الخير الإحسان إلى غير الشاكرين ؟ فلا تطلب كذلك الخير لنفسك ، وكن مع والديك كما تطمع من أولادك ؛ لأن من يولد لك يطمع في نفس ما تطمع فيه من أبويك . إذ مثل الآدمي كمثل الفاكهة ، والأب والأم كالشجرة ، فكلما تعهدت الشجرة أكثر آتت ثمرا أطيب ، وكلما زدت تكريم أبويك صار دعاؤهما وثناؤهما في حقك سريع الإجابة ، وكنت أقرب إلى رضاء الله عز وجل ، وإياك أن تتمنى موت أبيك من أجل الميراث ، فإن ما يكون من رزقك ، يصل إليك بغير موت الأبوين ، لأن الرزق مقسوم ، وكل إنسان يصل إليه ما يكون قد قسم له في الأزل ، ولا تشق على نفسك كثيرا من أجل رزقك ؛ لأن الرزق لا يزيد بالسعي ، فقد قيل :