عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

158

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

عرفت حقيقة الأمر وإن بدت لك غير ممكنة ، فإن في الصدق أثرا لا يمكن إحلاله في القلب ، لا بالعقل ولا بالتكلف بل بفضل الحق تعالى وعطائه وجبلة النفس . فالدرويش هو من ينظر إلى الشئ بعين الصدق ولا يستوحش ، ويكون ظاهره وباطنه سواء ، ولا يخلى قلبه من التفكير في التوحيد ، ويجب أن يختار السكون والأناة في التفكير حتى لا يحترق في نار التفكر ، لأن أرباب هذه الطريقة قد رأوا التفكر نارا ماؤها التسلي فجعلوا السرور والبهجة والرقص والسماع وسيلة للتسلى ، وكل درويش لا يرغب في السماع والقول ، يحترق دائما بنار التفكر ، ومن ليس له تفكر التوحيد محال عليه السماع والقول ، لأن الظلمة تزداد بالظلمة ، ومنع الشيخ أخي الزنكانى السماع في آخر عمره ، وقال : السماع ماء ويجب أن يكون الماء حيث لا تكون النار ، لأن صب الماء على النار يجلب الظلمة والوحل ، وإذا كان لواحد في قوم عدتهم خمسين رجلا نار ، فإنه لا ينبغي تكدير أولئك التسعة والأربعين لأجل واحد ، لأنه لا يمكن السكون من ذلك الواحد كما يمكن الصدق من هؤلاء الآخرين ، أما إذا كان هناك درويش ليس له أدب باطني ومعرفة روحانية فيجب أن يكون له أدب ظاهر ليتحلى بإحدى الصورتين ، فينبغي أن يكون الدرويش معتمدا ، ذلق اللسان وغير مؤذ ، مستور الفسق ، ظاهر الورع ، طاهر الجسد والثوب ، ومزودا بآلات السفر والحضر كالعصا وإبريق الطهارة والمئزر والوطاء والسجادة والزورقى والمشط والمسواك والإبرة ومقلمة الأظافر ، ويجب أن يستغنى عن الخياط وغسال الملابس ، ويخدم الإخوان في هذين الشيئين ، ويحب السفر ولا يسير وحده لأن الآفة تنشأ من الوحدة ، وإذا دخل الخانقاه لا يكون مانع الخير يعنى لا يمنع شخصا من التقرب ، ويحل أولا حذاء القدم اليمنى ويلبس القدم اليسرى أولا ، ولا يسير بين القوم مشدود الوسط ويجلس حيث يجعلون زاويته ويستأذن عندما يجلس ، ويصلى ركعتين باستئذان ويسلم في كل وقت يدخل أو يذهب ، وإذا لم يفعل فجائز ، أما في الصباح فلا يقصر ويتكلم مع الناس بالحسنى ويتحاشى المتهمين ، وإذا لم يكن له معاملة طامات فلا يذكر أحاديث الطمطمات « 1 » ، ولا يدخل منزلا أو خانقاها حتى يكون عزيزا ، ولا يطلب صحبة أحد ظلما ، ولكن يحسن رعاية الحرم لأن رعاية الحرمة فريضة والصحبة ليست فريضة ، ويعمل كل الأمور بحكم الجمع ورضاهم ، وإذا أنكر عليه جماعة أمرا فلا يخالف الجماعة وإن يكن بريئا ، بل يستغفر ويؤدى الغرامة ويحتمل الجور ، ولا يتشدد في التدقيق على الخلق ، ويقل الغياب عن السجادة ، ولا يذهب إلى السوق قصدا ، وإذا أراد القيام من أجل حاجة ما بأن يريد أداء عمل من أعماله ، كأن يلبس ثوبا أو يخلعه مثلا يستأذن من الجمع أو من شيخ الجماعة ، ولا يجلس متربعا على السجادة ولا يخيط الخرقة خفية عن القوم ، ولا يأكل شيئا في الخفاء ، وإن يكن لوزة واحدة ، لأنهم يستقبحون ذلك ، ولا يكثر الكلام أمام الجمع ، وإذا وضعوا « 2 » الخرقة يوافقهم ، وكذلك في خلعها ،

--> ( 1 ) الطامات والطمطمات بمعنى وهي الكلام غير المفهوم الذي يتفوه به المريدون في حلقات الذكر في حالة الانجذاب والوجد . ( 2 ) أي : لبسوا .