عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

139

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

مولاك ، ولا تكون قد أجريت ذلك الجور على الجند ، بل تكون قد أجريته على نفسك وعلى مولاك كذلك ، ويصير ذلك التوفير تقصيرا في عملك ، فرغب الملك في الإحسان إلى الجند والرعية فإن إثبات الملك بالجند وعمار القرية بالدهقان ، فاجتهد دائما في العمارة ، ودبر الملك ، واعلم حقا أنه يمكن إقامة الملك بالجند ، ويمكن امتلاك الجند بالمال ، ويحصل على المال بالعمارة ، وتكون العمارة بالحق والعدل والإنصاف ، فكن منصفا وعادلا ، واخش الملك مهما تكن صائنا وأمينا ، فإنه لا يجب على شخص الخوف من الملك كما يجب على الوزير ، وإذا كان الملك صغيرا فلا تعده صغيرا لأن مثال أبناء الملوك كمثال صغار البط ، إذ لا يلزم تعليم صغار البط السباحة ، فلا يمضى زمن طويل حتى يعرف محاسنك ومساوئك ، وإذا كان الملك بالغا ورشيدا لا يخرج عن اثنتين : إما أن يكون عاقلا أو جاهلا ، فإن يكن عاقلا لا يرضى بخيانتك فيكف يدك عن العمل على الوجه الأحسن . وإذا كان - نعوذ بالله - غير عاقل وجاهلا يعزلك بأسوأ وجه ، وربما تنجو بحياتك من العاقل ولا خلاص من الجاهل بأي وجه . وفضلا عن ذلك فلا تفارق الملك حيثما يذهب ولا تدعه وحيدا حتى لا يجد أعداؤك في غيابك فرصة للوشاية بك عنده ، ويحولوه عن حاله ، ولا تغفل عن حال الملك بأي حال ، فاعمل بحيث يكون مقربوه جواسيسك ليطلعوك على كل نفس يتنفسه ، وتكون مدبرا لكل كلمة قولا ، وتعمل لكل سمّ ترياقا ، وكن أيضا على الدوام متنبها لملوك الأطراف والنواصي ، ويلزم كذلك ألا يشرب أي صديق أو عدو للملك شربة ماء من غير أن يطلعك عليها ، وتكون عارفا بحال مملكته كمملكة مولاك . حكاية [ رقم 2 ] سمعت أن وزير فخر الدولة الشهير ، الصاحب إسماعيل بن عباد ، لم يأت يومين إلى الديوان ولم يأذن لأحد ، فاطلع المنهى فخر الدولة على تلك الحال ، فأرسل فخر الدولة شخصا إلى الصاحب وقال : سمعت بخبر تكدرك فانشغل قلبي ، ولا أعرف سبب ذلك ، فإذا كان في المملكة موضع لانشغال القلب فأطلعنى عليه ، لأتدارك أنا أيضا مصلحة ذلك الأمر ، وإذا كان منى تقصير في حقك فبينه لأعتذر ، فقال الصاحب معاذ الله أن يكون للعبد تكدر من مولاه وبالمملكة قصور « 1 » ، بل إن أمر المملكة على النظام ، فينبغي أن يكون الملك مشغولا بالانبساط لأن تكدر العبد هذا يزول سريعا ، وفي اليوم الثالث جاء إلى سراى الملك في مكانه راضى القلب كما كان ، فسأله فخر الدولة قائلا : لأي سبب كنت مشغول القلب ؟ فقال كان أصحاب أخبارى « 2 » قد كتبوا إلىّ من كاشغر أنه في اليوم الفلاني قال الخاقان للقائد الفلاني كلاما ولم نستطع أن نعرف ما ذا قال ، فلم ينزل الطعام من حلقي من ذلك الغم ، إذ كيف ينبغي أن يقول خاقان التركستان كلاما بكاشغر لا أعرفه هنا ، واليوم وصلت ملاطفة وصار معلوما أي حديث كان ذلك فطاب قلبي .

--> ( 1 ) أن يكون بالمملكة خلل أو نقص . ( 2 ) منهيان من .