عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

108

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الخصم ، فبكى المدعى بتأثر وقال أيها القاضي : لا تحلفه لأنه يقسم كذبا ولا يخاف . فقال القاضي أنا لا أستطيع الخروج عن الشريعة ، فإما أن تلزمك البينة وإما أن أحلفه ، فتمرغ الرجل المدعى في التراب أمام القاضي وقال : حذار ! ليست لي بينة وهو يقسم كذبا وأبقى أنا مظلوما فدبر أمرى . فلما رأى القاضي توسّل ذلك الرجل على هذه الجملة ، عرف أنه يقول الصدق . فقال أيها السيد قص على قصة ذلك الدين بالحق لأعرف كيف أصل ذلك الأمر ، فقال أيها القاضي لقد كان هذا الرجل صديقي عدة سنوات فعشق جارية اتفاقا ، وكانت قيمة تلك الجارية مائة وخمسون دينارا ، ولم يكن له أي وجه ، وكان يبكى ليل نهار كالمولهين وينوح ، وذات يوم كنا قد ذهبنا للتنزه ، وكنت أنا وهو نتجول وحدنا بالفلاة ، وجلسنا زمنا ، وكان هذا الرجل يتحدث عن الجارية ويبكى بحرقة ، فاحترق قلبي عليه لأنه كان صديقي عشرين سنة ، فقلت أيها الصديق ليس لك مال وليس لدى ثمنها كاملا وأنت لا تعرف أي شخص يغيثك في هذا المعنى ، أما أنا فلى في كل حوزتى مائة دينار قد جمعتها في سنوات طوال ، فأعطيك هذه المائة دينار ودبر أنت وجها للباقي حتى تشترى الجارية وتحقق منها مرادك شهرا وتبيعها بعد شهر وترد إلى مالي ذاك ، فتمرغ هذا الرجل أمامى في التراب ، وأقسم قائلا : أملكها شهرا وأبيعها بعد ذلك إذا اشتروها بالخسارة أو الربح وأرد لك مبلغك ، فحللت الذهب من وسطى وأعطيته له وكنت أنا وهو والحق تعالى ، والآن انقضت على ذلك أربعة شهور فلا أنا أرى المال ولا هو يبيع الجارية ، فقال القاضي وأين كنت جالسا في ذلك الوقت الذي أعطيته فيه المال ؟ قال تحت شجرة ، فقال القاضي إذا كنت تحت شجرة فلم قلت ليس عندي بينة ؟ ثم قال للخصم اجلس لدى ، وقال للمدعى لا تشغل قلبك واذهب تحت تلك الشجرة وصل ركعتين أولا وصل على النبي مائة مرة ، ثم قل لتلك الشجرة إن القاضي يقول أن تعالى واشهدى ، فتبسم الخصم فلمحه القاضي وتغاضى وتغافل ، فقال المدعى : أيها القاضي إني لأخشى ألا تأتى الشجرة بأمري ، فقال القاضي : هذا خاتمي فاحمله وقل للشجرة إن هذا هو خاتم القاضي ويقول أن تعالى وأدى الشهادة التي عليك أمامى ، فأخذ المدعى خاتم القاضي وذهب ، وجلس الخصم هنالك عند القاضي ، وانشغل القاضي بالأحكام الأخرى ولم يلتفت إلى هذا الرجل إلى أن التفت مرة فجأة نحوه في أثناء حكم كان يحكم به وقال : أيكون فلان قد وصل هنالك ؟ فقال لا ليس بعد أيها القاضي ، وانشغل القاضي بالحكم ، فعرض ذلك الرجل خاتم القاضي على الشجرة وقال : القاضي يدعوك ، فلما جلس زمنا عرف بأنه لن يسمع جوابا من الشجرة ، فعاد مغموما وجاء أمام القاضي وقال : أيها القاضي ذهبت وعرضت الخاتم فلم تأت ، فقال القاضي : أنت مخطئ فقد جاءت الشجرة وشهدت ، والتفت إلى الخصم وقال أد مال هذا الرجل ، فقال ذاك الرجل : مذ جلست هنا لم تأت شجرة قط ولم تشهد ، فقال القاضي : إذا كنت لم تأخذ هذا المال منه تحت تلك الشجرة فلم قلت حينما سألتك أيكون هذا الرجل قد وصل إلى الشجرة : لا بعدّ ؛ لأن المسافة من هنا إلى هناك بعيدة ؟ ولم لم تقل : أية شجرة ،