عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
105
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
الباب الحادي والثلاثون في طلب علم الدين والقضاء وغيرهما اعلم يا بنى أنى قلت في أول الكلام بأن أتحدث عن الحرف أيضا ، وليس الغرض من الحرفة إدارة الدكان ، بل إن كل عمل يباشره المرء يكون من قبيل الحرفة ، إلا أنه يجب أن يعرف ممارسة ذلك العمل جيدا حتى يمكنه أن يطعم منه الثمرة ، وكما أراه الآن لا توجد أية حرفة أو عمل يطلبه ابن آدم وتكون تلك الحرفة مستغنية عن قاعدة النظام والصدق ، فيلزم الجميع الترتيب . والحرف كثيرة ولا يمكن شرح كل واحدة على حدة ؛ لأن الكتاب يطول ويخرج عن طبيعة أصله ، ولكن كل صنعة موجودة لا تخرج عن ثلاثة وجوه : فهي إما علم يتعلق بالحرفة ، وإما حرفة تتعلق بالعلم ، وإما حرفة بذاتها « 1 » . أما العلم الذي يتعلق بالحرفة فمثل الهندسة والطب والمساحة والشعر وما أشبه هذا . والحرفة التي تتعلق بالعلم فمثل الغناء والبيطرة والبناية وحفر القنوات وغير ذلك ، ولكل منها أسباب ووسائل ، وإذا لم تعرف رسمها وأسبابها فإنك تكون في ذلك الباب كالأسير مهما تكن أستاذا . والحرفة الخالصة معروفة بذاتها ولا حاجة لشرحها ، ولكني أطلعك على أسباب كل واحدة بقدر ما يستطاع لأنها لا تخرج عن اثنتين : فإذا وقعت لك حاجة من اتفاق الأيام وحوادث الزمن تكون عارفا بأسرار كل منها في وقت الحاجة ، وإذا لم تكن حاجة وكنت سيدا فإنه لا بد للأكابر من معرفة علم الحرف . واعلم يا بنى بأنه لا يمكنك أن تطعم ثمرة أي علم إلا علم الآخرة ، وإذا كنت تريد أن تنتفع بالعلم الدنيوي فإنك لا تستطيع إلا بالحرفة التي تمزجها به ، مثل علم الشرع والقضاء والقسمة والخطابة والوعظ ، ولا يصل إليها كل إنسان ومن يصل إليها يستفيد كثيرا . وفي النجوم والتقويم والفأل لا يصل إلى المنجم نفع دنيوي ما لم يدخل فيها زخرف الجد والهزل ، وما لم يدخل في الطب الصنعة والتمويه . وإعطاء الإهليلج بالصواب وغير الصواب لا يحصل مراد الطبيب الدنيوي . فالعلم الأسمى هو علم الدين لأن أصوله على الدوام التوحيد ، وفروعه أحكام الشرع ، وحرفته نفع الدنيا والآخرة . فيا بنى در ما استطعت حول علم الدين لتظفر بالدنيا والآخرة ، وإذا وفقت فقوم أولا
--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : برأسها .