أحمد بن الحسين البيهقي

96

شعب الإيمان

يكون فيهم من لا يكمل عقله ويضعف رأيه فيرتبك في بعض ضلالة الضالين ، وشبه الملحدين ، ولا يستطيع منها مخرجا كالرجل الضعيف غير الماهر بالسباحة إذا وقع في ماء غامر قويّ ، لم يؤمن أن يغرق فيه ، ولا يقدر على التخلّص منه ، ولم ينهوا عن علم الكلام لأنّ عينه مذموم ، أو غير مفيد . وكيف يكون العلم الذي يتوصل به إلى معرفة اللّه عزّ وجلّ ، وعلم صفاته ومعرفة رسله ، والفرق بين النبي الصادق وبين المتنبّىء الكاذب عليه مذموما أو مرغوبا عنه ؟ . ولكنهم لإشفاقهم على الضّعفاء لئلا يبلغوا ما يريدون منه فيضلّوا ، نهوا عن الاشتغال به . ثم بسط الحليمي - رحمه اللّه تعالى - الكلام في التحريض على تعلّمه إعدادا لأعداء اللّه عز وجل . وقال غيره في نهيهم عن ذلك إنما هو لأنّ السّلف من أهل السنّة والجماعة كانوا يكتفون بمعجزات الرسل صلوات اللّه عليهم على الوجه الذي بيّنّا . وإنما يشتغل في زمانهم بعلم الكلام أهل الأهواء ، فكانوا ينهون عن الاشتغال بكلام أهل الأهواء . ثم إنّ أهل الأهواء كانوا يدّعون على أهل السنة أنّ مذاهبهم في الأصول تخالف المعقول . فقيّض اللّه تعالى جماعة منهم للاشتغال بالنظر والاستدلال حتى تبحروا فيه ، وبينوا بالدلائل النيرة والحجج الباهرة أن مذاهب أهل السنة توافق المعقول ، كما هي موافقة لظاهر الكتاب والسنة ، إلا أنّ الإيجاب يكون بالكتاب والسنة فيما يجوز في العقل أن يكون غير واجب ، دون العقل . وقد كان من السلف من يشرع في علم الكلام ويردّ به على أهل الأهواء . « 85 » - أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ ، أخبرني أحمد بن سهل ، ثنا إبراهيم بن معقل ثنا حرملة ، ثنا ابن وهب ، ثنا مالك أنه دخل يوما على عبد اللّه بن يزيد بن هرمز فذكر قصة - ثم قال : وكان - يعني ابن هرمز - بصيرا بالكلام ، وكان يردّ على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما اختلفوا فيه من هذه الأهواء .

--> ( 85 ) - ابن وهب هو عبد اللّه بن وهب بن مسلم ، وحرملة هو ابن يحيى المصري .