أحمد بن محمد مسكويه الرازي
92
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
في الحيوانات الاخر وجد كثيرا منها أقدر على الاستكثار منها وأحرص عليها ، كالخنزير والكلب وأصناف كثيرة من حيوان الماء وسباع الوحش والطير ، فإنها أحرص من الإنسان على هذه الأشياء وأكثر احتمالا لها . وليست تكون بها أفضل من الانسان . وأيضا فان الانسان إذا اكتفى من طعامه وشرابه وسائر لذاته البدنية إذا عرض عليه الاستزادة منها ، كما يستزاد من الفضائل أبى ذلك وعافه وتبين له قبح صورة من يتعاطاها ، لا سيّما مع الاستغناء عنها والاكتفاء منها ، بل يتجاوز ذلك إلى مقته وذمه ، بل إلى تقويمه وتأديبه . فينبغي الآن ان نقدم امام ما نطلبه من سعادة النفس وفضائلها كلاما يسهل به فهم ما نريده فنقول : 4 - الفلسفة العملية كلّ موجود من حيوان ونبات وجماد ، وكذلك بسائطها ، « 1 » أعني النار والهواء والأرض والماء . وكذلك الأجرام العلوية لها قوى وملكات وأفعال بها يصير ذلك الموجودة هو ما هو ، وبها يميز عن كل ما هو سواه ، وله أيضا قوى وملكات وافعال بها يشارك ما سواه . ولما كان الانسان من بين الموجودات كلها ، هو الذي يلتمس له الخلق المحمود والافعال المرضية وجب ان لا ننظر في هذا الوقت في قواه وملكاته وأفعاله ، التي بها يشارك سائر الموجودات ، « 2 » إذ كان ذلك من حق صناعة أخرى وعلم آخر يسمى
--> ( 1 ) . ما بسط على الأرض ، أي : ما يوجد على الأرض ، يقول عزّ وجل : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً نوح / 19 و 20 . ( 2 ) . إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا الأحزاب / 72 .