أحمد بن محمد مسكويه الرازي
90
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ويرى بعضها مكسورا وهو صحيح وبعضها معوجا وهو مستقيم ، وبعضها منكسرا وهو منتصب ، فيستخرج العقل أسباب هذه كلها من مبادئ عقلية ، ويحكم عليها أحكاما صحيحة . « 1 » وكذلك الحال في حاسة السمع ، وحاسة الذوق ، وحاسة الشم ، وحاسة اللّمس ، أعني حاسة الذوق تغلط في الحلو تجده مرا عند الصدى ، وما أشبهه ، وحاسة الشم تغلط كثيرا في الأشياء المنتنة ، لا سيما في المنتقل من رائحة إلى رائحة ، فالعقل يرد هذه القضايا ويقف فيها ، ثم يستخرج أسبابها ويحكم فيها أحكاما صحيحة . والحاكم في الشئ المزيف له أو المصحح أفضل وأعلى مرتبة من المحكوم عليه . وبالجملة فان النفس إذا علمت أن الحس صدق أو كذب فليست تأخذ هذا العلم من الحس ، ثم إذا علمت أنها قد أدركت معقولاتها فليست تعلم هذا العلم من علم آخر . فإنها لو علمت هذا العلم من علم آخر لاحتاجت في ذلك العلم أيضا إلى علم آخر وهو يمر بلا نهاية . فاذن : علمها بأنها علمت ليس بمأخوذ من علم آخر البتة ، بل هو من ذاتها « 2 » وجوهرها ، أعني العقل . وليست تحتاج في ادراكها ذاتها إلى شيء آخر غير ذاتها ، ولهذا ما قيل في أواخر هذا العلم ، ان العقل والعاقل والمعقول شئ واحد لا غيرية شئ يتبين في موضعه . « 3 » فأما الحواس فلا تحس ذواتها ولا ما هو موافق لها كل الموافقة كما سيتبين أيضا . وإذ قد تبين من هذه الأشياء بيانا واضحا ان النفس ليست بجسم ولا بجزء من جسم
--> ( 1 ) . كل هذه من الأخطاء المحسوسة لدى عامة الناس . ( 2 ) . ذات النفس . ( 3 ) . راجع الأستاذ العلامة حسن حسن زاده آملي في كتابه : العقل والعاقل والمعقول .