أحمد بن محمد مسكويه الرازي
85
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
تعريف النفس الإنسانيّة انا لما وجدنا في الانسان شيئا ما يضاد افعال الأجسام وأجزاء الأجسام بحدّه وخواصّه ، وله أيضا تضادّ أفعال الجسم وخواصه . حتى لا يشاركه في حال من الأحوال . وكذلك نجده يباين والأعراض ويضادها كلها غاية المباينة . ثم وجدنا هذه المباينة والمضادة منه للأجسام والأعراض إنما هي ، من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض أعراضا ، حكمنا بان هذا الشيء ليس بجسم ولا جزءا من جسم ولا عرضا ، وذلك أنه لا يستحيل ولا يتغير . وأيضا فإنه يدرك جميع الأشياء بالسوية ولا يلحقه فتور ولا كلال ولا نقص . « 1 » 1 - النفس ، ليست جسما ولا جزءا من جسم وبيان ذلك ان كل جسم « 2 » له صورة ما ، فإنه ليس يقبل صورة أخرى من جنس
--> ( 1 ) . النفس الإنسانية بشؤونها وأشكالها كافة - كما أثبتت التحقيقات العلمية والأخلاقية - هي جوهر واحد بسيط ، فعند ما نذكر أنواعا وأشكالا مختلفة للنفس ، فلا يعني ذلك تعدد النفس حقيقة ، بل إنّ النفس واحدة بالفعل ، وإن كانت بحسب الحالات والكيفيات متعددة . وهذا الإحساس فطري ووجداني ، وهو ان كل واحد منّا يحس بأنّ له نفسا واحدة وأنه واحد لا أكثر ، والقرآن الكريم يقر هذه الحقيقة : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ الأحزاب / 4 . ( 2 ) . الجسم ، جمع أجسام ، وأجسم وجسوم ، أي : البدن ، ماله طول وعرض وعمق .