أحمد بن محمد مسكويه الرازي

78

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

مسكويه والأمر الواقع : وينطبق الأمر نفسه على الحكيم ، فهو لا يستطيع أن يفصل علمه عن عمله ، ولا يستطيع أن يكتفي بعلم لا يعبأ بالضمير الذي يفرض تصرّفات معينة على النّاس ، ويهتم بمصالح البشرية وغاياتها . وكنّا قد رأينا سابقا أنّ الشيء نفسه قد حصل لمسكويه ، فهو أيضا اضطرّ للمطابقة بين علمه وعمله ، وذلك عندما تخلّى عن حياته السابقة ، حياة الملذات والترف . لقد استخلص - مسكويه - الدروس والعبر من تعاليمه النظرية وغيّر حياته وعاداته ، وتحوّل إلى حياة التقشّف والفضيلة ، والعلو في المعنويات ، وإلى ممارسة معيّنة في الدين الإسلامي الحنيف . وهكذا تبيّن لنا كيف يمكن للتأملات النظرية أن تجد لها امتدادا محسوسا على أرض الواقع ، أي : تطبيقا عمليا للنظريات الإسلامية والأخلاقية المدوّنة في الكتب والفكر . هكذا يمكننا أن نحدد سلوك الحكيم والفيلسوف بصفته مشروعا متماسكا ومنتظما من أجل تغليب طبيعته ككائن عاقل ومفكّر ، على مشروطيته ككائن إنساني سياسي ، وتترتب على هذا التحديد الإنعكاسات والنتائج التالية : 1 - أخذ الوعي بذلك التضاد الأساسي الكائن بين طبيعتنا كأناس من جهة ، ومشروطيتنا من جهة أخرى . 2 - الاختيار الموضوعي على محك الشك باستمرار بين الرسالة الملائكية للإنسان « الجانب الروحي » وبين قدره أو مصيره الأرضي « الجانب المادي » . 3 - الرغبة التائقة أو المتطلعة باستمرار نحو الكمال الإلهي . 4 - التوصل إلى امتلاك الذات أو السيطرة على الذات والجوهر الإنساني ، بواسطة