أحمد بن محمد مسكويه الرازي
313
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
بها ، ثم يردها ليشمها غيره ويتمتع بها سواه فأطمعته نفسه فيها ، وظن أنها هبة له ، وهبة أبدية ، فلّما أخذت منه حزن وأسف وغضب ، فان هذه حال من عدم عقله وطمع في ما لا مطمع فيه . وهذه حالة الحسود لأنه يجب أن يستبد بالخيرات من غير مشاركة الناس . والحسد أقبح الأمراض وأشنع الشرور . 14 - قول الحكماء في الحبّ والشر ولذلك قالت الحكاء : من أحبّ ان ينال الشر أعداءه فهو محب للشر ، ومحب الشر شرّير . وشر من هذا من أحب الشر لمن ليس له بعدو . وأسوأ من هذا حالا من أحب ان لا ينال أصدقاءه خير ، ومن أحب ان يحرم صديقه الخير فقد أحب له الشر ، ويجب له من هذه الرداءات الحزن على ما يتناوله الناس من الخيرات ، وان يحمدهم على ما يصلون اليه منها . وسواء كانت هذه الخيرات ما قنياتنا « 1 » وما ملكناه أو مما لم نقتنه ولم نملكه ، لأن الجميع مشترك للناس ، وهي ودائع اللّه عند خلقه ، وله ان يرتجع العارية متى شاء ، على يد من شاء ، ولا سيئة علينا ولا عار إذا رددنا الودائع ، وانما العار والسيئة ان نحزن إذا ارتجعت منا ، وهو مع ذلك كفر للنعمة لأنّ أقل ما يجب من الشكر للمنعم ان نردّ عليه عاريته على طيب نفس ، ونسرع إلى إجابته إذا استردّها ، ولا سيما إذا ترك المعير علينا أفضل ما أعارنا وارتجع أخسه . قال : وأعني بالأفضل ما لا تصل اليه يد ولا يشركنا فيه أحد ، أعني النفس والعقل والفضائل الموهوبة لنا هبة لا تسترد ولا
--> ( 1 ) . قنى ، يقني ، قنيا - المال - إكتسبه . القنية والقنية : ما اكتسب ، يقال : له غنم قنية وقنية .