أحمد بن محمد مسكويه الرازي
278
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ولا يقنع بما قاله جالينوس « 1 » في ذلك ، فإنه ذكر في كتابه المعروف بتعرف المرء عيوب نفسه : « انه لما كان كل انسان يحب نفسه خفيت عليه معايبه . ولم يرها وان كانت ظاهرة » . وأشار في كتابه هذا بأن يختار من يحب ان يبرأ من العيوب صديقا كاملا فاضلا ، فيخبره بعد طول المؤانسة انه انما يعرف صدق مودّته إذا أصدقه عن عيوبه حتى يتجنبها ، « 2 » ويأخذ عهده على ذلك ، ولا يرضى منه إذا قال له لا أعرف لك عيبا ، بل ينكر عليه ويعلمه انه قد اتهمه بالخيانة ، ويعاود مسألته والإلحاح عليه ، فإذا لم يخبره بشيء من عيوبه زاد في العتب الصريح والإلحاح قليلا ، فإذا اخبره ببعض ما يعثر عليه منه فلا يظهر له في وجهه أو كلامه نكرة ولا انقباضا ، بل يبسطه له وجهه ويظهر السرور بما اخرجه اليه ونبهه عليه ، ويشكره على الأيام وفي أوقات المؤانسة ليتطرق له إلى اهداء مثله اليه ، ثم يعالج ذلك العيب بما يزيل اثره ويمحو ظله ، ليعلم ذلك المهدي إليك عيبك انك من وراء نفسك وفي طريق علاج مرضك ، فلا ينقبض عن معاودتك ونصيحتك . وهذا الذي أشار به جالينوس معوز غير موجود ولا مطموع فيه ، ولعل العدو في هذا الموضع انفع من الصديق ، فان العدو لا
--> ( 1 ) . جالينوس : ) nelaG ( 129 - 199 م . طبيب يوناني ، يعتبر أحد أعظم الأطباء في العصور القديمة ، أسّس الفيسولوجيا التجريبيّة ، وضع عشرات من المؤلفات في علمي التشريح والفيسيولوجيا سيطرت على الفكر الطبّي في أوروبا طوال القرون الوسطي ، وخلال عصر النهضة . وقد أقام الدليل ، في آثاره هذه ، على ما يتميّز به تفكيره من أصالة ونزوع إلى اختبار ، ومن أجل ذلك عدّها بعض الباحثين المعاصرين أحد الأسس العريضة التي قام عليها الطبّ الحديث . يعرف مذهبه في الطب ب « الجالينوسية » . ) msinelaG ( ( 2 ) . عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله : « أحب الناس إليّ من أهدى اليّ عيوبي » . وكما هو مشهور على الألسن : « المؤمن مرآة المؤمن » .