أحمد بن محمد مسكويه الرازي
252
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
إلى أخذ الكتب من أصحابهم ثم يمنعهم منها . وهذا خلق لا تبقى معه مودّة بل يجلب إلى صاحبه عداوات لا يحسبها ، ويحسم أطماع أصدقائه من صداقته . ثم احذر ان تنبسط إلى أصحابك ومن يخلو بك من اتباعك أو تحمل أحدا منهم على ذكر شيء في نفسه ، ولا ترخص في عيب شيء يتصل به فضلا عن عيبه ، ولا يطمعن أحد في ذلك من أولي أسبابك والمتّصلين بك جدا ولا هزلا ، وكيف تحتمل ذلك فيه وأنت عينه وقلبه وخليفته على الناس كلّهم ؟ « 1 » بل أنت هو فإنه ان بلغه شيء مما حذرتك منه لم يشك ان ذلك كان عن رأيك وهواك ، فينقلب عدوا وينفر عنك نفور الضد ، فإن عرفت منه أنت عيبا فوافقه عليه موافقة لطيفة ليس فيها غلظة ، فان الطبيب الرقيق ربّما بلغ بالدّاء اللطيف ما يبلغه غيره بالشق والفطع والكي ، بل ربما توصل بالغذاء إلى الشفاء واكتفى به عن المعالجة بالدواء . « 2 » ولست أحبّ أن تغضي عمّا تعرفه في صديقك ، وأن تترك موافقته عليه بهذا الضرب من الموافقة . فانّ ذلك خيانة منك ومسامحة في ما يعود ضرره عليه وليس من حقّ الصديق ان يعرف ويبذل لعيون الاضداد حتى يعيبوه ويثلبوه . ثم احذر النميمة وسماعها ، وذلك ان الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة النصحاء . فيوهمونهم النصيحة ، وينقلون إليهم في عرض الأحاديث اللذيذة أخبار محرفة
--> ( 1 ) . قال اللّه عز وجل في محكم كتابه الكريم : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ البقرة / 30 . أي : استخلفه في عمارة الأرض ، وفي تنفيذ الأحكام الإلهية وعندما ، اعترض الملائكة على هذا الشيء - في أنفسهم - قال لهم اللّه عز وجل : إني أعلم ما لا تعلمون ، أنه سيكون من هؤلاء الأنبياء والصالحون والمتقون . ( 2 ) . هذا ما يعبّر عنه في العصر الحديث ، بالطبّ النفساني ، وهو يعالج المريض لا عن طريق الدواء ، بل عن طريق الكلام ، حيث ينمّي نفسيّته لمواجهة المرض .