أحمد بن محمد مسكويه الرازي

250

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ينقلب عدوا وتتحوّل منافعه مضار ، فلا تأمن غوائله وعدوانه مع عدمك الرغائب والمنافع به ، وينقطع رجاؤك في ما لا تجد له خلفا عنه عوضا ولا يسد مسدّه شيء ، وإذا راعيت شروطه وحافظت عليها بالمداومة أمنت جميع ذلك ثم احذر المراء معه خاصة وان كان واجبا ان تحذره مع كل أحد ، فانّ مماراة الصديق تقتلع المودة من أصلها ، « 1 » لأنها سبب الاختلاف ، والاختلاف سبب التباين الذي هربنا منه إلى ضده وقبّحنا أثره ، واخترنا عليه الألفة التي طلبناها واثنينا عليها ، وقلنا إن اللّه عز وجل دعا إليها بالشريعة القويمة . « 2 » وإنّي لأعرف من يؤثر المراء ويزعم أنه يقدح خاطره ويشحذ ذهنه ويثير شكوكه ، فهو يتعمّد في المحافل التي تجمع رؤساء أهل النظر ومتعاطي العلوم مماراة صديقه ، ويخرج في كلامه معه إلى ألفاظ الجهّال من العامة وسقاطهم ، « 3 » ليزيد في خجل صديقه وليظهر انقطاعه وتبلّجه ، وليس يفعل ذلك عند خلوته به ومذاكرته له ، وانما يفعله حيث يظن به أنّه أدق نظرا أو أحضر حجّة وأغزر علما واحد قريحة ، فما كنت أشبهه إلّا بأهل البغي وجبابرة أصحاب الأموال والمتشبّهين بهم من أهل البدع ،

--> ( 1 ) . قال اللّه سبحانه وتعالى : فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً الكهف / 22 . المرية : التردّد في الأمر ، وهو أخص من الشك . والمماراة : المحاجّة فيما فيه مرية . قال الإمام علي عليه السّلام : إيّاكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان ، وينبت عليهم النفاق . وعنه عليه السّلام أيضا : لا محبة مع كثرة مراء . ( 2 ) . قال اللّه عز وجل في كتابه الكريم : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ آل عمران / 103 . ( 3 ) . الساقطين - عن الاخلاق و - عن الناس .