أحمد بن محمد مسكويه الرازي
226
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ثابتا غير متغير الذات صارت مودّات أصحابه باقية غير متغيّرة وأيضا لمّا كان الإنسان مركّبا من طبائع متضادة ، صار ميل كل واحد يخالف ميل الآخر ، فاللّذة التي توافق إحداها تخالف لذة الأخرى التي تضادها ، فلا تخلص له لذّة غير مشوبة بأذى ، ولمّا كان فيه أيضا جوهر آخر بسيط إلهي غير مخالط لشيء من الطبائع الاخر ، صارت له لذة غير مشابهة لشيء من تلك اللذّات ، وذلك أنها بسيطة « 1 » أيضا . المحبّة الالهيّة والمحبّة الّتي سببها هذه اللذّة هي التي تفرط حتى تصير عشقا تاما خالصا شبيها بالوله ، « 2 » وهي المحبة الإلهية الموصوفة التي يدعيها بعض المتألّهين ، وهي التي يقول فيها ارسطوطاليس حكاية عن ابرقليطس : « 3 » « إنّ الأشياء المختلفة لا تتشاكل ولا يكون منها تأليف جيد ، وأمّا الأشياء المتشاكلة وهي التي يسّر بعضها ببعض ، ويشتاق بعضها إلى بعض » . فأقول انّ الجواهر البسيطة إذا تشاكلت واشتاق بعضها إلى بعض تألّفت ، وإذا تألّفت صارت شيئا واحدا ولا غيريّة بينها ، إذ الغيريّة إنّما تحدث من جهة الهيولي ، وأما الأشياء
--> ( 1 ) . البسيطة في مقابل المركّبة . ( 2 ) . أي : التحيّر من شدة الحبّ . ( 3 ) . ابر قليطس : كلمة معرّبة عن اليونانية ، ) selcorP ( فيلسوف يوناني من أتباع الفيلسوف أفلاطون ( صاحب كتاب الجمهوريّة ) ، 410 - 485 للميلاد ، له شرح على كتاب ( طيماوس ) لأفلاطون . ابر قليطس أو ( بروقلوس ) يعتبر آخر من يعتدّ بهم من الفلاسفة الإغريق ، لانّه بعد وفاته بأقل من نصف قرن خطر الإمبراطور جستنيان تدريس الفلسفة ( 529 م ) وخلت أثينا والإسكندرية من مدارسها . ويتمثل في مؤلفاته أحسن ما كتب بين نهاية الفلسفة اليونانيّة ، وبداية فلسفة العصور الوسطى .