أحمد بن محمد مسكويه الرازي

203

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الا بالتعاون فبعضهم يجب أن يخدم بعضا ويأخذ بعضهم من بعض ويعطي بعضهم بعضا ، فهم يطلبون المكافأة المناسبة ، فإذا اخذ الإسكاف من النجار عمله وأعطاه عمله فهي المعاوضة إذا كان العملان متساويين ، ولكن ليس يمنع مانع ان يكون عمل الواحد خيرا من عمل الآخر ، فيكون الدينار هو المقوم والمسوي بينهما ، فالدينار هو عدل ومتوسط الا انه ساكت . والانسان الناطق هو الذي يستعمله ويقوم به جميع الأمور التي تكون بالمعاملات ، حتى تجري على استقامة ونظام ومناسبة صحيحة عادلة ولذلك يستعان بالحاكم الذي هو عدل ناقص ، إذا لم يستقم الامر بين الخصمين بالدينار الذي هو عدل ساكت . وارسطوطاليس يقول : « ان الدينار ناموس عادل » ، ومعنى الناموس في لغته السياسة والتدبير وما أشبه ذلك . فهو يقول في كتابه المعروف [ بنيقوماخيا ] : « ان الناموس الأكبر هو من عند اللّه تبارك وتعالى ، والحاكم ناموس ثان من قبله ، والدينار ناموس ثالث . فناموس اللّه تعالى قدوة النواميس كلها » ، يعني الشريعة والحاكم الثاني مقتد به والدينار مقتد ثالث . وانما قوّمت الأشياء المختلفة بالأثمان المختلفة لتصح المشاركات والمعاملات ، ويتبين وجه الأخذ والإعطاء ، فالدينار هو الذي يسوي بين المختلفات ويزيد في شيء وينقص في آخر حتى يحصل بينهما الاعتدال ، فتستوي المعاملة بين الفلاح والنجار مثلا ، وهذا هو العدل المدني ، وبالعدل المدني عمرت المدن ، وبالجور المدني خربت المدن . وليس يمنع مانع من أن يكون عمل يسير يساوي عملا كثيرا ، مثال ذلك : ان المهندس ينظر نظرا قليلا ويعمل عملا يسيرا ، ويساوي نظره هذا عملا كثيرا من أقوام يكدّون بين يديه ويعملون بما يرسمه . وكذلك صاحب الجيش يكون تدبيره ونظره يسيرا ، ولكنه يساوي أعمالا كثيرة ممن