أحمد بن محمد مسكويه الرازي
200
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
عددناه في ما تقدم فليس هو عادلا ، وانما يعمل عمل العدول للغرض الذي يقصده ، وينبغي ان ينسب فعله إلى غرضه ، فإنه بحسب هذا يفعل ذلك كما قلنا وشرحنا . فاما العادل بالحقيقة فهو الذي يعدل قواه وأفعاله وأحواله كلها ، حتى لا يزيد بعضها على بعض ثم يروم ذلك في ما هو خارج منه من المعاملات والكرامات ، ويقصد في جميع ذلك فضيلة العدالة نفسها لا غرضا آخر سواها ، وإنما يتمّ له ذلك إذا كانت له هيئة نفسانية أدبية تصدر عنها أفعاله كلها بحسبها . ولما كانت العدالة وسطا بين أطراف ، وهيئة يقتدر بها على رد الزائد والناقص اليه ، صارت أتم الفضائل وأشبهها بالوحدة . وأعني بذلك ان الوحدة هي التي لها الشرف الأعلى والرتبة القصوى ، وكل كثرة لا يضبطها معنى يوحدها فلا قوام لها ولا ثبات . والزيادة والنقصان والكثرة والقلة هي التي تفسد الأشياء إذا لم يكن بينها مناسبة تحفظ عليها الاعتدال بوجه ما ، فالاعتدال هو الذي يرد إليها ظل الوحدة ومعناها ، وهو الذي يلبسها شرف الوحدة ويزيل عنها رذيلة الكثرة والتفاوت والاضطراب الذي لا يحد ، ولا يضبط بالمساواة التي هي خليفة الوحدة في جميع الكثرات . واشتقاق هذا الاسم يدلك على معناه ؛ وذلك أن العدل « 1 » في الأحمال والاعتدال في الأثقال ، والعدالة في الأفعال مشتقة من معنى المساواة ، والمساواة هي اشرف النسب المذكورة في صناعة الارتماطيقي ؛ « 2 » ولذلك لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع وانما هي وحدة في معناها أو ظل للوحدة ، فإذا لم نجد المساواة التي هي المثل بالحقيقة في الكثرة عدلنا إلى النسب المذكورة التي تنحل إليها وتعود إلى حقيقتها .
--> ( 1 ) . العدل ، بكسر العين . ( 2 ) . citemhtirA , مصطلح لعلم الأعداد ( الحساب ) ، مقتبس من اليونانية ) eupitemhtirA ( .